دراسات

ثقافة كردية

Home

الارشيف

 

 

 

كوردية كركوك في ظل الحقائق

 

التاريخية ــ الجغرافية

 

 الدكتور خليل إسماعيل محمد

 

كشفت الحفريات في كوردستان العراق، إن الإنسان قد سكنها منذ عهود موغلة في القدم وأقام على أرضها، أقدم الحضارات الزراعية. وذلك منذ أكثر من ستة آلاف سنة قبل الميلاد ومنها انتشرت القرى والتجمعات السكنية إلى بقية السهول والمنحدرات الجبلية في ظل ملائمة المناخ، وخصوبة الأرض ووفرة المياه، ومع اتساع اليابسة في الجنوب، ازدادت موجات الهجرة إليه من الشمال،  ولذلك يرى "طه باقر" أن الحضارة السومرية، ما هي إلا استمرار للحضارة الزراعية الأولى في كوردستان العراق (1).

ويشير الباحثون إلى أن (الكوتيين) الذين يمثلون الأصول الأولى للشعب الكوردي، كانوا يحكمون أجزاءً واسعة من كوردستان العراق. كما كانت منطقة كركوك جزء من دولتهم بل أن (أرابخا) أو كركوك الحالية كانت عاصمة لتلك الدولة (2).

ومع أن الآشوريين حكموا المنطقة لفترة من الزمن. إلا أن الميديين استطاعوا في (612 ق. م) من تحريرها. فكان العراق يومئذ مقسماً بينهم وبين الكلدان الذين سيطروا على القسم الجنوبي(3). ثم خضعت المنطقة إلى نفوذ المقدونيين والساسانيين حتى سنة 636 م، حيث آلت إلى الإسلام القادم من الجزيرة العربية.

أما العرب فقد استوطنوا جنوب العراق منذ القرن الأول للميلاد وكانوا قبل ذلك التاريخ يغيرون من بادية الجزيرة على أطراف العراق الجنوبية ولذلك يرى "جرجي زيدان"(4) أن مصطلح (العرب) كان يطلق قبل الإسلام على سكان جزيرة العرب فقط.

يتضح مما سبق. أن منطقة كوردستان العراق كانت موطناً للإنسان القديم، وان الشعب الكوردي أقام عليها مستوطناته وتنظيماته الإدارية والسياسية قبل أن يهاجر إليها العرب. وكانت كركوك من أهم مراكز استيطانهم، بل واتخذت عاصمة لهم.

 

العراق: لغة واصطلاحاً

تؤكد الدراسات الفلو لوجية والتاريخية، أن (العراق) لم يكن يمثل حدوده الجغرافية الحالية. إلا مؤخراً وبعد تأسيس الدولة العراقية. والحاق ولاية الموصل بها سنة 1925 وإنما كان يقصد به: الأراضي المنبسطة التي تمتد مع امتداد السهل الرسوبي وسط وجنوب البلاد، ومن ثم فان كوردستان العراق بما فيها منطقة كركوك لم تكن يوماً ما جزءً من العراق.

لقد جاء في معجم (تاج العروس) في مادة (عرق) هو كل ما أتصل بالبحر من مرعى فهو  (عراق). ويرى (المارودي) إنما سمي بـ (العراق) لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض(5). وفي (معجم البلدان) سمي عراقاً لأنه دنا من البحر. وقال (أبو عمرو): أن أهل الحجاز يسمون ما كان قريباً من البحر عراقاً(6) وورد في (قاموس المحيط): أن أصل التسمية جاءت من تواشيح عراق النخل والشجر (وتعني المنطقة الممتدة من عبادان إلى الموصل طولاً ومن القادسية إلى حلوان عرضاً (7). أما المسعودي فأشار إلى أن حدود العراق الشمالية تنتهي عند (تكريت) على نهر دجلة و(هيت) على نهر الفرات (8) ويؤكد (ليسترنج) ذلك في أن حدود العراق تنتهي عند (تكريت) على نهر دجلة و(الأنبا ر) على نهر الفرا (9) مثلما يرى ذلك الدكتور فاضل حسين: "في أن العراق بمفهومه الحالي لم تتجاوز حدوده الشمالية أبعد من تكريت على دجلة وهيت على الفرات" (10).

وتأسيساً على ذلك فان مرتفعات حمرين كانت ولا تزال تمثل حدوداً متميزة بين منطقتين متباينتين طبيعياً وبشرياً لذلك تم اعتمادها حدوداً سياسية تارةً وإدارية تارةً أخرى بين المناطق التي يغلب عليها السكان العرب وتلك التي يغلب عليها الكورد ا(11). وقد أشار إلى ذلك العديد من الكتاب والباحثين العرب والمستشرقين من بينهم (12) أدمونز، الكابتن هي ملخن، باسيل نيكيتين، وكذلك من العرب الدكتور شاكر خصباك الذي يرى في أن مرتفعات حمرين تمثل جزءً أساسياً من حدود كوردستان العراق، والدكتور فاضل حسين مستنداً فيه على تقرير لجنة عصبة الأمم لحل مشكلة الموصل والذي جاء فيه: (أنه إذا كانت الحدود السياسية لولاية الموصل لا يمكن أن تكون حدوداً فاصلة للقوميات، فإن مرتفعات حمرين أكثر انسجاماً في هذا الاتجاه) (13). وكذلك المؤرخ (عبد الرزاق الحسني) والأستاذ (فائق السامرائي) الذي أكد (بأن حدود كوردستان العراق هي جبل حمرين الواقع جنوب كركوك بعشرات الأميال) (14).

لقد اعتاد معظم الجغرافيين تقسيم العراق طبيعياً أو إقليمياً إلى ثلاثة أقسام هي (15):

1 ـ المنطقة الجبلية

2 ـ السهل الرسوبي

3 ـ الهضبة الغربية

وكانت مرتفعات حمرين (في جميع التقسيمات) هي جزءً أساسياً في الحدود بين المنطقتين الجبلية والسهل الرسوبي، كما كانت في نظر (طه الهاشمي) حدوداً بين العراق الأعلى والعراق الأسفل.

وتتميز المنطقة الجبلية عن منطقة السهل الرسوبي ليس بتضاريسها ووعورة أرضها بل ومناخها الذي تعد حرارته أكثر اعتدالاً صيفاً وأكثر برودة في الشتاء كما تزداد كميات الأمطار الساقطة والثلوج، حيث تستلم المنطقة شمال مرتفعات حمرين كمية من الأمطار تتراوح بين (250) ملم إلى أثر من (1000) ملم بينما تقل (250) ملم في المنطقة جنوب تلك المرتفعات مما جعل الزراعة الديمية (المطرية) أكثر نجاحاً في المنطقة الجبلية، كما تميزت بالحشائش والغابات والأشجار العالية، فيما تنبسط الأرض في جنوب مرتفعات حمرين وتقل فيها الأمطار بحيث لا يمكن الاعتماد عليها في الزراعة وتفتقر إلى الأشجار والغابات (17).

من جهة أخرى فقد ساعد التكوين الجيولوجي للمنطقة شمال مرتفعات حمرين على ظهور المعادن وتجمع النفط في أكثر من موقع ومكان، ولا شك فأن هذا التباين في الخصائص الطبيعية بين المنطقتين الجبلية والسهل الرسوبي أوجد تبايناً في طرق الإنتاج الزراعي، ونوع المحاصيل ونمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية(18).

ومن الجدير بالذكر إن امتدادات منطقة السهل الرسوبي الشمالية، تتماثل وإلى حد كبير وامتدادات حدود العراق الشمالية التي تمت الإشارة إليها في هذه الدراسة. فيذكر الدكتور (الخلف): إن حدود السهل الرسوبي تنتهي عند مدينة (سامراء) على نهر دجلة و (الرمادي) على نهر الفرات (19). ويرى المرحوم (الهاشمي) أن الحدود الفاصلة بين منطقتي العراق الأعلى والعراق الأسفل. خط يمتد بين (بلد) على نهر دجلة و(هيت ) على نهر الفرات (20). ومثل ذلك جاء في دراسة الدكتور ( فاضل الأنصاري) الذي حدد نهايات السهل الرسوبي بخط يمتد بين (بلد ــ الرمادي) (21).

في ضوء ما سبق يمكن القول بأن محافظة ( لواء) كركوك لم تكن بأي حال من الأحوال ضمن العراق، بل كانت تتبع المنطقة شمال مرتفعات حمرين، ومن هنا فأن التقسيمات الإدارية، وعلى امتداد التاريخ لم تضم منطقة كركوك يوماً من الأيام ففي العصر العباسي كان العراق (الحالي) مقسماً إلى (22).

1 ـ إقليم السوا: ويشمل منطقة السهل الرسوبي

2 ـ إقليم الجزيرة: ويطلق على القسم الشمالي من الهضبة الغربية وما جاورها من المنطقة شبه الجبلية

3 ـ إقليم الجبال: أو ما كان يسمى بـ (عراق العجم) ولم تكن منطقة (كركوك) ضمن إقليم السواد.

وحينما سيطر العثمانيون على العراق. تم تقسيمه إلى (17) سنجق (لواء). كان سنجق كركوك وسنجق السليمانية ضمن ولاية شهرزور (23). وبعد أن تولى (مدحت باشا) حكم العراق (1869 ـ 1872) كان حكمه مقتصراً على ولايتي بغداد والبصرة. وفي سنة 1879. كانت كركوك جزء من ولاية الموصل كما يتضح من الجدول التالي(24): 

التشكيلات الإدارية لولاية الموصل ـ السنجق: القضاء

الموصل: دهوك، زاخو، العمادية، سنجار، عقرة.

شهرزور: كركوك، أربيل، رانية، راوندوز، كويه، كفري.

السليمانية: بازيان، حلبجة، شهرزور، ميركه سوور.

ومن المعروف، إن الدولة العراقية كانت قد تشكلت أساساً من ولايتي بغداد والبصرة باعتبارها يمثلان العراق. قبل أن يسعى البريطانيون إلى إلحاق ولاية الموصل بها الأمر الذي تسبب في تصاعد الأزمة بينهم وبين الأتراك، فأوفدت عصبة الأمم على أثره لجنة سنة 1924 لتقصي الحقائق وأهم ما خرجت به اللجنة (25):

1 ـ لا تمتد حدود العراق أبعد من مرتفعات حمرين أو (تكريت) على نهر دجلة، وهيت على نهر الفرات.

2 ـ إن الأراضي المتنازع عليها (ولاية الموصل) لم تكن يوماً ما جزءً من العراق.

ومع ذلك فأن مصالح الدول الكبرى ولا سيما بريطانيا كان لها دور أساس في إلحاق (ولاية الموصل) بالدولة العراقية سنة 1925. وهكذا أصبحت (كركوك) إحدى التشكيلات الإدارية فيها ومن الملاحظ على خريطة العراق الإدارية هذه إنها كانت تتماثل وإلى حد كبير، وما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى من جهة، والتزمت بالمعطيات الجغرافية والاقتصادية والتاريخية من جهة أخرى (26).

وبقيت (مرتفعات حمرين) حدوداً إدارية لما عرف بـ (المنطقة الشمالية) أو (العراق الشمالي) والتي تمثلت بألوية (محافظات) الموصل (دهوك ونينوى) أربيل السليمانية وكركوك. وهي تتصف بسمات طبيعية واقتصادية وديمغرافية تميزها عن المنطقتين الوسطى والجنوبية، بما يجعلها إقليماً جغرافياً متميزاً (27).

واستمرت هذه التقسيمات في العراق طيلة العقود خمس التي تلت قيام الدولة العراقية. لكن العقد السابع من القرن الماضي كشف عن تغييرات واسعة في خريطة العراق الإدارية، لا سيما في كوردستان العراق. بهدف الإسراع في تنفيذ خطط التغيير القومي لسكانها لصالح العرب. 

فإلى جانب حملات التهجير والترحيل التي تعرضت لها محافظة كركوك، فأن الحكومة العراقية سعت إلى زرعها بالعشائر العربية وتقديم كل الإمكانيات لاستقرارها من توزيع للأراضي الزراعية وإقامة القرى والأحياء السكنية إلى تنفيذ المشاريع الاروائية وحفر الآبار وتوفير مستلزمات الأمن والحماية.

ولما لم تجد الحكومة العراقية كفايتها من الأساليب والوسائل لتغليب العنصر العربي في المحافظة. عمدت إلى تمزيق الخريطة الإدارية لها، من خلال توزيع الوحدات الإدارية ذات الأغلبية من سكانها الكورد على المحافظات المجاورة من جهة وإلحاق الوحدات الإدارية ذات الغالبية العربية بها (28).

1 ـ الاهتمام الخاص بقضاء الحويجة، حيث تم زرعه بالمستوطنات العربية منذ الثلاثينات من القرن الماضي كما ضمت الحكومة العراقية إليه ناحية (الزاب) من محافظة نينوى.

2 ـ تجزئة قضاء كفري، بتشكيل قضاء (كلار) من نواحي: تيله كو، باوه نور، ومركز قضاء كلار، الذي ضم إلى محافظة السليمانية فيما ألحقت بقية الوحدات الإدارية لقضاء كفري (قره تبه، كوكس، شيروانه، جباره) بمحافظة ديالى.

3 ـ الحاق قضاء جمجمال بنواحيه (آغجلر، سنكاو، ومركز القضاء بمحافظة السليمانية ).

4 ـ إلحاق قضاء دوز خورماتو بنواحيه (آمرلي، سليمان بكك ومركز القضاء) بمحافظة صلاح الدين التي تم استحداثها في 1976.

وهذا يعني أن عدد الوحدات الإدارية في محافظة كركوك قد انخفضت خلال عقد السبعينات من (23) إلى (11) وحدة فقط كما لم يتبق من مساحتها سوى اقل من النصف، الأمر الذي عكست أبعاده على التكوين القومي لسكان المحافظة، فمن مقارنة نتائج إحصاء 1957 و1977 بخصوص التوزيع القومي للسكان، يلاحظ ارتفاع نسبة السكان العرب من (2،28 %) إلى  (44,4 %) على حساب السكان الكورد الذين انخفضت نسبتهم من (48,3 %) إلى(37,6 %) خلال نفس الفترة.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار استمرار حملات التطهير العرقي للسكان الكورد في محافظة كركوك، خلال السنوات التي أعقبت ذلك التاريخ، ولا سيما خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وحتى الآن واستمرار زرع المحافظة بالعشائر العربية فإن ثمة مخاطر جدية، تحملها مثل تلك الحملات، ليس للوجود القومي الكوردي في المحافظة وحسب بل وعلى مستقبل القضية الكوردية في العراق أيضاً، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير الجدي أيضاً في تحديد الوسائل الممكنة لوقف سياسة التطهير العرقي في المحافظة.

 

هوامش الدراسة:

1 ـ طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة القسم الأول بغداد ـ 1955 ـ ص 190 ـ 195

2 ـ محمد أمين زكي خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ترجمة محمد على عوني مطبعة

صلاح الدين بغداد ـ 1961. ص 61.

3 ـ طه الهاشمي مفصل جغرافية العراق مطبعة دار السلام ـ بغداد 1930 ص 26 ـ 27.

4 ـ جرجي زيدان تاريخ العرب قبل الإسلام، بيروت 1978، ص 41.

5 ـ جاسم محمد الخلف، محاضرات في جغرافية العراق، مطبعة المعرفة القاهرة1965 ص437

6 ـ ليسترنج بلدان الخلافة الشرقية، ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي مطبعة الرابطة، بغداد 1954 ص 41.

7 ـ الفيروز آبادي المجلد الثالث المطبعة الحسينية، القاهرة 1344 هـ ص 264.

8 ـ أنظر الهاشمي المصدر السابق ص 479.

9 ـ تقرير لجنة عصبة الأمم، مطبعة الحكومة، بغداد 1924 ص 11.

10 ـ فاضل حسين، مشكلة الموصل، مطبعة أشبيلية 1977 ص 78.

11 ـ أنظر جزا توفيق طالب، سكان إقليم كوردستان، رسالة ماجستير جامعة صلاح الدين ص16.

12 ـ خليل إسماعيل محمد مرتفعات حمرين دراسة في جغرافية الحدود، مجلة دهوك العدد 3، مطبعة خبات 1999 ص 473.

13 ـ تقرير لجنة عصبة الأمم، المصدر السابق ص 109.

14 ـ أنظر جزا توفيق طالب، المصدر السابق ص 19.

15 ـ للتفاصيل راجع كوردن هستد، الأسس الطبيعية لجغرافية العراق، ترجمة جاسم محمد الخلف، المصدر السابق، بغداد 1948 ص 24. وأيضاً جاسم محمد الخلف المصدر السابق ص37 وكذلك محمد حامد الطائي، تحديد أقسام سطح العراق، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية عام 1969، بغداد ص 32.

16 ـ الهاشمي المصدر السابق ص 175.

17 ـ أنظر جاسم محمد الخلف، المصدر السابق ص 127 ـ 128.

18 ـ أنظر شاكر خصباك العراق الشمالي، مطبعة شفيق، بغداد 1973 ص 7 و 38.

19 ـ جاسم محمد الخلف، المصدر السابق ص 41.

20 ـ طه الهاشمي، المصدر السابق ص 18.

21 ـ فاضل الأنصاري، مشكلة السكان، مطبعة وزارة الثقافة، دمشق 1980 ص 6 ـ 7.

22 ـ ليسترنج بلدان الخلافة الشرقية، المصدر السابق ص 221.

23 ـ جاسم محمد الخلف، المصدر السابق، ص 439.

24 ـ  وزارة التخطيط تحديد المناطق التخطيطية في العراق، دراسة رقم (155) بغداد 1984 ص 26 .

25 ـ تقرير عصبة الأمم، المصدر السابق.

26 ـ أنظر وزارة التخطيط، المصدر السابق، ص 32 و37.

27 ـ شاكر خصباك، المصدر السابق ص 5.

28 ـ خليل إسماعيل محمد، البعد القومي للتغيرات في الحدود الإدارية لمحافظة كركوك، مطبعة وزارة الثقافة، أربيل1997، ص 11.

 

كركوك:

رحلة في ذاكرة التاريخ

(ريبورتاج)

 

أنا من مواليد محلة زيويه في محافظة كركوك. في أعوام الحرب الدائرة 1974 ـ 1975 بين الحركة التحررية الكوردية من جهة والنظام الحاكم في بغداد من جهة أخرى، كنت حينذاك من تلاميذ الصف الثاني الابتدائي.

في إحدى المدارس الكوردية في كركوك، تلك الأيام العالقة في ذاكرتي ولا تريد أن تبرحها ما حييت، كانت أولى حالات الوعي المبكرة لي لما أصابت مدينتي الثكلى لأبشع الممارسات اللاإنسانية لتغيير الواقع الديموغرافي وتعريب هذه المدينة الكوردية كركوك.

في تلك الأيام نفسها شاهدت عن قرب تهجير إحدى العائلات الكوردية (غير مرغوب بها) من حارتنا إلى جنوب العراق، لتحل محلّها عائلة عربية لا أدري من أين جاءت.

بإحساسنا الطفولي كنا نشعر بأنها حالة شاذة وغير طبيعية، لكننا لم نكن ندرك أبعاد تلك السياسة البشعة ونحن في تلك السن، في الوقت ذاته كنا نلمح علامات القهر والحزن على محيا الكبار من النساء والرجال لما يجري، ونلمس بشغف عبء ما تخلفه تلك الإجراءات على أولياء أمورنا من خلال ردة الفعل لديهم، ومناقشاتهم الساخنة في الليالي الطوال. بالطبع لم نكن نفهم فحواها والتي كانت تنضح بالمرارة.

لكن مع تقدم العمر واستئثارنا الانتماء لقضية أمتنا الكوردية، أستطيع القول بأني وصلت إلى فك رموز تلك التعابير والخطوط القاسية على وجوه شيوخ ومثقفي وكبار حارتنا، وأدرك الآن وبكل ما تعنيه الكلمة من الفهم ما معنى أن تقتلع من جذورك وتُكره على العيش في مكان آخر، حتى لو كان ذلك بقعة أخرى من وطنك، فكيف الأمر لأولئك الأوائل الذين أجبروا على العيش في وسط وجنوب العراق، في بيئة مختلفة عن بيئتهم الأصلية؟ّ! والأنكى من ذلك هو أن تُعطى أرضك ودارك مجاناً إلى شخص آخر، لا لشيء، فقط لأنه يمتلك موهبة الارتزاق، وسيكون السيف المسلط على رؤوس أبناء البلد لتكتمل بها ما خَططت له عقول لا تعرف من قوانين الحياة سوى الاستيلاء على أراضي الغير وضمها عنوة لِمن ليس له الحق بامتلاكها.

بهذه العبارات افتتح "سيروان رحيم" معد البرنامج الوثائقي لسياسة التعريب لمدينة كركوك.

وطرح السؤال الأول على عدة شخصيات سياسية وأكاديمية كوردية وعربية لإلقاء الضوء على تاريخ مدينة كركوك والمراحل الهامة التي مرت بها تاريخياً، وأبعاد سياسة التعريب المقيتة التي مارستها جميع الأنظمة العراقية المتعاقبة على حكم العراق سواء في العهد الملكي أم لاحقاً في العهد الجمهوري.

 

الأستاذ نوشيران مصطفى: *

قبل كل شيء أود أن أنوه بأنه لا غبار على كوردية مدينة كركوك، فهي ضمن جغرافية كوردستان على مر التاريخ. وفي العهد العثماني كانت كركوك مركز ولاية شهرزور، وكان مقر الوالي العثماني على الدوام هو كركوك، إلى حين فترة الإصلاحات والتغييرات الإدارية. وبغض النظر عن هذا، ومن الناحية التاريخية نرى بأن العشائر الكوردية تحيط المدينة من كل الجهات كعشيرة جباري، زه نكنة، كاكه يي، جاف، طالباني، داوده، شيخ بزيني، هموند، شوان، وغيرها كثيرة. وقبل البدء بسياسة التعريب، فإن المناطق كانت تحمل الأسماء الكوردية، بما فيها الوديان والتلال وباقي معالم المدينة، وتحيطها القرى الكوردية من كل حدب وصوب.

وكركوك كانت صغيرة نسبياً قبل اكتشاف النفط وإنشاء شركة النفط فيها.

ولو أخذنا كتاب الأستاذ حنا بطاطو القيم، نرى وباعتماده على المعلومات التي حصل عليها من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بأن جميع الآبار النفطية التي اكتشفت تقع في أراضي أصحابها من الكورد، فمثلاً حقل بابا كركر النفطي، هو ملك عائلة كوردية معروفة، هو السيد أحمد الخانقا(1).

وتوجد في كركوك أقلية تركمانية وعدد قليل جداً من العرب. بدأ مجيء العرب إلى كركوك مع اكتشاف النفط فيها، وحتى قضاء الحويجة الحالي لم يكن فيه عرب قبل الثلاثينات من القرن العشرين، بل كانت منطقة رعي للعشائر الكوردية، يأتون إليها في مواسم معينة.

ومع اكتشاف النفط في كركوك في العام 1927م، بدأت سياسة تعريب كركوك من قبل القوميين العرب وبمساعدة الإنكليز، تستطيع القول بأن التعريب الفعلي لمدينة كركوك بدأت في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن العشرين، لكن سياسة التعريب في العهد الملكي لم تكن بهذه الصورة البشعة التي طبقتها أنظمة الحكم العراقي فيما بعد. فمثلاً، وفي عهد نوري السعيد عندما كان يُكتشف بئر نفط في مكان ما من كركوك، كانوا يوظفون صاحب تلك الأرض كحارس مثلاً، مقابل راتب شهري، وفي الوقت ذاته كان صاحب تلك الأرض يستطيع البقاء في تلك الربوع لممارسة أعماله وحياته الاجتماعية بصورة طبيعية .

الدكتور نوري طالباني: *

قبل الولوج في الحديث عن وضع منطقة كركوك، أود إلقاء الضوء على هذه المنطقة بوصفها جزءاً من ولاية الموصل. إن سبب إلحاق الولاية العثمانية من قبل البريطانيين بالعراق العربي الذي أستحدث بعد الحرب العالمية الأولى، هو وجود النفط في منطقة كركوك التي كانت تشكل جزءاً هاماً من هذه الولاية.

نصت اتفاقية سايكس ـ بيكو المبرمة سراً بين بريطانيا وفرنسا عام 1916، على إعطاء ولايتيْ بغداد والبصرة إلى بريطانيا وعلى أن تكون ولاية الموصل من حصة فرنسا. إن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن هاتين القوتين العظمتين آنئذ لم تنظرا للعراق بوضعه السياسي الحالي كوحدة جغرافية موحدة، وإلا لكانت الولايات الثلاث التي شكلت منها فيما بعد الدولة العراقية، قد أصبحت من حصة إحدى هاتين الدولتين. وقد أشرت لهذه الحقيقة في مؤتمر نظم في واشنطن في تشرين الثاني عام 1999 حول الجانب القانوني للقضية الكوردية. إن العراق بكيانه الحالي لم يظهر للوجود إلا بعد الحرب العالمية الأولى وبمساعدة الإنكليز الذين جعلوها تحت انتدابهم المباشر. إن العراق التاريخي المعروف في المصادر الإسلامية بالعراق العربي لتمييزه عن العراق العجمي، كانت حدوده الشمالية لا تتجاوز تكريت. وقد تم إلحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية الحديثة لوجود النفط بغزارة في هذه الولاية في كركوك، وبهدف إيصال هذا النفط عبر الأراضي العراقية إلى الموانئ الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وفي احتفال رسمي في عام 1935 م، تم افتتاح خط أنابيب النفط التي توصل نفط كركوك إلى كل من حيفا وطرابلس على شواطئ البحر المتوسط. هذه المقدمة ضرورية لبيان أسباب إلحاق ولاية الموصل بهذه الدولة الحديثة.

أما سياسة التعريب في هذه المنطقة، فقد بوشر بتنفيذها في العهد الملكي، وساهمت شركة نفط العراق التي كانت في كركوك في تغيير الواقع القومي للمدينة، فقد استخدمت هذه الشركة البريطانية أعداداً كبيرة من المستخدمين والعمال الذين تم جلب معظمهم من خارج لواء محافظة كركوك، بينهم الآشوريون والأرمن والعرب، فاستوطنوا المدينة مع أسرهم وعائلاتهم، وتشكلت أحياء خاصة بهم داخل الأحياء القريبة من منشآت شركة النفط. تم استقدام الآشوريين من بعقوبة التي كانوا قد استقروا فيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بمساعدة الجيش البريطاني، بعد نزوحهم من إيران خلال تلك الحرب.

وساهم إنشاء مشروع ري الحويجة في توطين عدد من العشائر العربية الرحالة، كعشائر العبيد والجبور وغيرهما في سهل الحويجة، بعد إكمال مشروع الري عن طريق جلب المياه للسهل المذكور من نهر الزاب الصغير، وأول من خطط لهذا المشروع هو ياسين الهاشمي الذي كان رئيساً للوزراء عام 1935، وأعلنت الحكومة أنها بصدد بناء هذا المشروع لتوطين العشائر الرحالة. لذلك اقترح بعض الإداريين الكورد في لواء كركوك، خاصة المرحوم حامد بك جاف الذي كان يشغل منصب قائمقام جم جمال، أن يتم إسكان جزء من عشيرة جاف الرحالة الكوردية والتي كانت موجودة في قضاء كفري ومنطقة كلار في فصل الشتاء، في قسم من سهل الحويجة. لم تستجب الحكومة العراقية لاقتراحه، بل بادرت بنقله إلى قضاء آخر بعيد عن كركوك، فاضطر إلى تقديم استقالته من الوظيفة والرجوع إلى مسقط رأسه في حلبجة.     

 

حسين غلام:*

أود الإشارة إلى إحدى الوثائق المهمة من وثائق شركة نفط العراقIPC التي تخص حفر البئر الأول في حقل بابا كركر النفطي عام 1927، لقد انفجر البئر بغزارة مما أدى إلى وفاة مهندس إنكليزي وبعض العمال العراقيين بالغازات السامة المنبعثة من البئر، لم يستطع المشرفون حينذاك السيطرة على الانفجار فامتلأت الوديان القريبة من الحقل بالنفط.

وكان هناك خوف كبير على أهالي كركوك من أن يؤدي تحول الرياح إلى وصول الغازات المنبعثة من جوف البئر إلى داخل المدينة، مما أدى إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع ذلك فأخبروا على الفور الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات المؤدية إلى مساعدة الأهالي وتوجيههم لسلك الطريق التي يجب أن يسلكوها بعكس اتجاه الريح، ونقل الباقين من الأطفال والنساء والعجزة والشيوخ بسيارات وآليات الشركة إلى مكان أمين تجنباً للكارثة.

إن تلك الوثيقة وهي باللغة الإنكليزية تشير إلى عدد نفوس كركوك في تلك السنة، لقد بلغ مجموع سكان كركوك آنذاك 35 ألف نسمة، ثلاثون ألفاً منهم من الكورد، أما البقية والتي تبلغ خمسة آلاف فهم من التركمان والعرب والمسيحيين واليهود.

 

سيروان رحيم:

ليس هناك أي فرق من حيث الأهداف لعملية تعريب أو تتريك كركوك. بدأت عملية التعريب على يد الشوفينية العربية، وأصبحت من المسائل المصيرية بالنسبة لهم، وكان رد الفعل العربي أمام المطالب الكوردية بحقهم التاريخي في كركوك، عبارة عن قلع واجتثاث الكورد من أرض آبائهم وأجدادهم عبر عمليات، أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية، من قتل وترحيل وتهجير وتشريد.إن المحاولات السابقة لتتريك كركوك من قبل العثمانيين هي أيضاً من المراحل المهمة في تاريخ هذه المدينة تستحق أكثر من وقفة لدراستها واستنباط العبر منها. عندما استطاع العثمانيون في منتصف القرن التاسع عشر القضاء على الإمارات الكوردية الواحدة تلو الأخرى، أخذوا يديرون شؤون كوردستان مباشرة من قبل رجالاتهم. لقد اهتم العثمانيون بكركوك كواحدة من المراكز المهمة، ولموقعها الجغرافي الواقع على الطريق التجاري الممتد بين إيران وتركيا الحالية، للوصول إلى بغداد، لذا عمدوا إلى تحويلها إلى مركز إداري وعسكري لهم. من هنا بدأت أولى مراحل تتريك منطقة كركوك. في تلك الفترة كان جهود العثمانيين منصبة على إيجاد أمة عثمانية وأن تكون هويتها الإسلام، وخاصة إذا حاولنا استقراء تلك الحقبة من الزمن نرى بأن المشاعر القومية في الشرق الأوسط بصورة عامة، وعند الكورد بصورة خاصة لم تكن قوية كما هي عليها الحال في الوقت الحاضر، وإن المشاعر الدينية كانت هي المحرك الأساسي لتلك الشعوب، فلذلك كان من الطبيعي أن يشعر المرء بكونه عثمانياً، وهذا ما سهل عملية تتريك المنطقة من قبل العثمانيين. ولا تخفي تركيا الحالية أطماعها في كركوك، نلمس ذلك من خلال تصريحات مسئوليهم،  كلما سنحت الفرصة بذلك.

في خريف عام 1996 صرحت رئيسة وزراء تركيا تانسو تشيلر بأن نفوس التركمان في كوردستان العراق يبلغ حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وتصاعد هذا العدد إلى أربعة ملايين نسمة في عهد بلند أجاويد، لا يخفى على أحد ما وراء مثل هذه التصريحات.

 

الدكتور جبار قادر: *

في البداية أود الإشارة إلى أنه مورست عملية تتريك بحق كركوك، منذ العهد العثماني، قبل سياسة عملية التعريب لهذه المدينة بزمان. بدأ ذلك بعد زوال إمارة بابان الكوردية وأفول نجم أمرائهم، منذ ذلك الوقت بدأت السلطات العثمانية بتثبت سلطانها في منطقة كركوك وتحويلها إلى مركز لتجمع العسكر والجيش، وإنشاء المدارس التركية وتثبيت موقع قدم راسخ لهم في المنطقة. لا أود الحديث هكذا دون شواهد وإثباتات تاريخية ومن أجل هذا تراني ألجأ دائماً إلى المصادر الأجنبية، كي لا نتهم بأن مصادرنا الكوردية منحازة إلى أبناء جلدتنا.

فخذ مثلاً المستشرق الجورجي (ألبرت مينتيشاشفيلي) وهذا الشخص ليس كوردياً وليس له أية صلة بالكورد، عدا أنه شخص أكاديمي وباحث، يبحث ويكتب الدراسات، وفي كتابه الموسوم  "الكورد ، لمحات في العلاقات الاجتماعية ـ الاقتصادية والثقافية "   يذكر، وبالتحديد في الصفحة 193 بأن غالبية العائلات المعروفة كتركمان في كركوك مثل عائلة (آوجي، قيردار، نفطجي زادة، يعقوب زادة، وغيرها) هي في الأصل منحدرة من عائلات كوردية هاجرت من الريف الكوردي من ضواحي كركوك لتحط الرحال في المدينة، وبحكم العملية السياسية والاقتصادية استتركت مع الزمن.

هذا من جانب، ومن جانب آخر الذي هو موضوع حديثنا، سياسة التعريب، بدأت منذ بداية الثلاثينات من القرن العشرين، وسأتكلم عن ذلك لاحقاً. وبرجوعنا إلى الإحصائيات نرى بوضوح ما حل بهذه المدينة من تغيير لواقعها القومي، فلو أخذنا إحصائية عام 1957، والمثبتة أيضاً في كتاب الدكتور شاكر خصباك  ـ علماً بأنه عربي ـ ، "الأكراد والمسألة الكوردية"، كانت نسبة الكورد في محافظة كركوك 55.2% و 44,8%  لباقي القوميات من تركمان وعرب وآشوريين وكلدان وغيرهم. ونلاحظ من جراء سياسة التعريب تناقص عدد الكورد والتركمان في إحصائية عام 1977 بشكل واضح، وعلى الرغم من هذا كانت لا تزال ملامح مدينة كركوك كوردية.

لعب الإنكليز دوراً رئيسياً في إبعاد الكورد من المراكز الاقتصادية والسياسية وحتى من سوق العمل والمراكز الإدارية، ومع ذلك فقد استطاعت الشخصيات الكوردية من أهالي كركوك أن تمثل المدينة في البرلمان العراقي أبان الحكم الملكي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، "أحمد آغا"، هذه الشخصية، الذي يوجد حي كامل باسمه في كركوك، كان أحد ممثلي المدينة، وكان ممثلو مدينة كركوك على الدوام هم من الكورد، أما من الطالبانيين أو الكاكائيين أو غيرهم من العشائر الكوردية وهذا كله مثبت في وثائق الدولة العراقية.

 إحدى الحجج التي استند الإنكليز عليها في سياستهم لإلحاق ولاية الموصل بالعراق العربي المشكل حديثاً، هي أن هذه الدولة الحديثة لا تستطيع الصمود والاستمرار بدون الثروات المتواجدة في الولاية وعلى رأسها النفط.

بعد أن عرف الإنكليز بموقف الكورد أدركوا،  بأنه لو وضعت كركوك تحت السيادة الكوردية سَهُلَ عليهم الانفصال، لذلك حاربوا وبكل ما أوتوا من قوة تطلعات الشعب الكوردي.

فأدمونز الذي كان أحد المتقنفذين في كوردستان والعراق أبان الحكم البريطاني ـ وله مؤلف حول الكورد ـ نصح الحكومة العراقية في الستينات من القرن العشرين أثناء المفاوضات مع الكورد وهو في بريطانيا بأن لا يسمحوا أبداً بأن تلحق كركوك بجغرافية كوردستان، أي أن تكون من مناطق الحكم الذاتي.

كما كان الإنكليز على علم بتعاطف التركمان لتركيا، لكنهم لم يعطوا الأمر أهمية تذكر وذلك لإدراكهم بأن التركمان أقلية لا تشكل أي خطرٍ على مصالحهم الحيوية لموقعهم الجغرافي بين القوميتين الرئيسيتين العرب والكورد.

في العشرينات، كان التركمان يعتبرون أنفسهم جزءاً من العثمانيين، وشكلوا جمعية حماية كركوك، بالضبط على غرار الجمعيات التركية الموجودة آنذاك. وكانت إحدى المهام الرئيسية لهذه الجمعية هي الاتصال مع الأتراك وحثهم على عدم التعاون والإقرار لمطالب الشيخ محمود الحفيد. وكان آزدمير وهو ضابط تركي واسمه الحقيقي "علي شفيق"  قد حضر إلى راوندوز لإرجاع سلطة الأتراك إليها، قد بعث بالرسائل لاطمئنان التركمان بأن تركيا لا تتعاون مع الشيخ محمود، علماً وحسب المصادر المتوفرة لدينا، اتفق الكماليون في العام 1922 مع الشيخ محمود  بمعاهدة دفاع مشترك، وأن لا تتدخل تركيا في شؤون كوردستان.

علماً بأن أحد المطالب الرئيسية للشيخ محمود وللسكان في كركوك أن تكون كركوك ضمن جغرافية كوردستان، وهذا ما كان يخيف تلك الجمعية.    

 

الأستاذ نوشيروان مصطفى:

الظاهر بأن التركمان قدماء في المنطقة، وهم أقدم من العرب في تلك الربوع، والمعروف بأنه بعد انحسار حكم القبيلتين التركمانيتين قره قوينلو وآق قوينلو رحلوا من المنطقة وبقي القليل منهم هناك.

المعروف أيضاً بأنه كان هناك خط تجاري يربط الإمبراطوريتين العثمانية، والصفوية يسمى بالطريق السلطاني، وكان هذا الطريق يمتد من ديار بكر إلى تلعفر، الموصل، أربيل، كركوك، ديالى، خانقين، ومن ثم كرمنشاه وإلى بلاد الهند.

 كان لهذا الخط أهمية استراتيجية، لذلك عمدت السلطات إلى جلب أعداد غير قليلة من الأتراك وإسكانهم بمحاذاة الطريق على شكل مخافر (بوليسية) لحماية هذا الخط ولراحة القوافل.

 

                                              

 

الدكتور جبار قادر:  

في جميع المناطق التي كان العثمانيون يهزمون فيها، كانوا ينسحبون إلى آسيا الصغرى، التي تسمى اليوم بتركيا ما عدا كركوك. لذلك استقر الكثير من الموظفين والعسكر في هذه المنطقة، ففي العشرينات من القرن العشرين مثلاً: كانت هناك أربع عشرة مدرسة تركية، مقابل أربع مدارس فقط للكورد على الرغم من أن غالبية سكان كركوك كانوا من الكورد.

وحتى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة وإلحاق ولاية الموصل بها، بقيت تلك المدارس على حالها.

والمعروف لدينا بأنه كان هناك خط تجاري يمتد من ديار بكر إلى كرمنشاه، ماراً، بالموصل، أربيل، كركوك، كفري، خانقين، ومن ثم كرمنشاه، مما حدا بالسلطات آنذاك بجلب أعداد غير قليلة من الترك وإسكانهم على جانبي الطريق بهدف حماية القوافل.

لكن في حقيقة الأمر، إذا أتينا إلى تاريخ توطين التركمان في هذه الأراضي، ظهرت لنا ذلك على مرحلتين مختلفتين، أولها هي مجيء قسم منهم مع الشاه عباس الصفوي حين احتلاله كركوك في العام 1623م. لكن الوجبة الأكثر نزوحاً كانت مع احتلال نادر شاه المنطقة في العام 1743م.

وفيما بعد كان الإنكليز بحاجة إلى قوة توازن بين الكورد والعرب، ولهذا عندما تأسست الدولة العراقية أخذوا بتسجيل الكورد الفيليين كتبعية إيرانية، بينما سجلوا التركمان الذين جاؤوا من إيران كتبعية تركية، وبموجب هذا التسجيل تم لهؤلاء الحصول على الجنسية العراقية، وكان الهدف من وراء هذه السياسة المراوغة من قبل الإنكليز هو تثبيتهم نهائياً في المنطقة. وكما ذكرت سلفاً كانوا يحاولون إيجاد الموازنة بين الكورد والتركمان، وكان الإنكليز بحاجة أيضاً إلى الموظفين التركمان الباقين من العهد العثماني، وحتى بعد رحيل الأتراك لم يتغير شيء في كركوك، وبقيت اللغة الرسمية في الدوائر هي اللغة التركية، إلى أن استطاعت الحكومة العراقية تدريجياً أن تثبت اللغة العربية محل اللغة التركية، وخاصة بعد المحاولات الكوردية المستمرة لنيل حقوقهم التاريخية في المدينة، والمعروف بأن قائد الفرقة الثانية ناظم الطبقجلي في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم كان يؤكد وبإلحاح على أن تكون اللغة الرسمية هي العربية، وأن يكون الحاكم في كركوك عربياً، ولعب دوراً غير قليل بدق الإسفين بين القوميتين الكوردية والتركمانية.

عرفان كركوكلي:*

إن جميع الحكومات العراقية المتعاقبة انتهجت سياسة فرق تسد، ومارست أبشع الأساليب للوصول إلى غاياتها تلك، زرعت الفتنة بين جميع القوميات التي تعيش في كركوك على مدى سنين طويلة، وخاصة بين الشعبين الكوردي والتركماني، نحن في حزب الإخاء التركماني، ندافع ونعمل من أجل حماية كوردستان والأخوة الكوردية التركمانية، وكما هو معروف للجميع بأن حكومة بغداد لا تزال تمارس التعريب في مدينة كركوك، ونحن نعمل في حزبنا بجد ونشاط بأن تكون كركوك مدينة تآخٍ للكورد  والتركمان، وأن نعيش جميعاً بسلام، ونعمل على الحفاظ على الحقوق المكتسبة لهاتين القوميتين، لأن مصيرنا مشترك، ونعمل من أجل مستقبل أفضل للكورد والتركمان، ونتمنى أن يكف النظام العراقي من سياساته العنصرية تجاه الكورد والتركمان، ونرجو من الرأي العام العالمي ومن الدول الكبرى والأمم المتحدة أن لا تقف مكتوفة الأيدي تجاه ممارسات النظام العنصرية، وأرجو من جميع الأحزاب الكوردستانية كل من جانبه الاستمرار والنضال ضد سياسات النظام الشوفينية، ولنعمل معاً من أجل الهدف المنشود.

من الممكن أن أصف كركوك بمدينة السلام، وحاضنة للعراقيين على مختلف هوياتهم العرقية والدينية.

وكركوك مدينة لها خصوصيتها، وتختلف عن باقي المحافظات العراقية الأخرى، كونها مدينة غنية، لوجود آبار النفط فيها، مع مرور الزمن واستمرار الكورد المطالبة بحقوقهم، ومع استمرار الحروب بين الكورد والأنظمة العراقية المتعاقبة، ولنتيجة تلك الظروف أصبحنا أمام وضع خريطة جغرافية كوردستان وتحديد حدود المحافظات الكوردية.

من أبرز المحافظات الكوردية هي أربيل والسليمانية، وتمتد أربيل إلى حدود الموصل وتركيا، وتمتد السليمانية إلى حدود إيران والعراق؛ في الآونة الأخيرة يتكلم البعض عن كركوك، هل هي من ضمن جغرافية كوردستان أم لا؟.

في أغلب مناقشاتنا مع السياسيين الكورد، طرحنا عليهم في أن تصبح كركوك مدينة لتعايش جميع القوميات وأن تصبح مدينة للسلام. وفي الآونة الأخيرة نسمع أصواتاً ترتفع هنا وهناك بأن أعداداً من التركمان تعيش في كركوك وأن هذه المدينة هي مدينة تركمانية.

في اعتقادي بأن الظروف الحالية هي ظروف غير طبيعية، وهي ظروف خلقها وأوجدها نظام صدام، هذه السياسة التي غيرت الكثير من استقرار المدن العراقية. 

نحن ضد تقسيم العراق وضد التكتلات في العراق، وضد اضطهاد العراقيين. إن للعراقيين جميعاً حقوق في هذا البلد، ونرفض تقسيم العراق ولا نقبل بتحديد المناطق على الأسس السكانية، لأن مثل هذا الإجراء سيضعنا أمام مشاكل نحن في غنى عنها في الوقت الحاضر. 

أنا أعتبر بأن كركوك مدينة تجمع كل القوميات كالعرب والكورد والتركمان والشيعة والسنة.

عند سقوط النظام وتشكيل برلمان حر، سيكون هذا البرلمان الذي سيمثل جميع العراقيين، بجميع قومياتهم وطوائفهم، هو الذي سيقرر ويحدد الحدود الجغرافية للإقليم، ولكني مصر على أن يكون هذا التحديد الجغرافي ضمن العراق الموحد، لأن تقسيم العراق هو طموح استعماري على الأمد البعيد.

مشعان الجبوري: *

إن نقطة الخلاف الرئيسية هي أن أغلب الأحزاب الكوردية،  ترفع شعار: "كركوك قدس كوردستان".

عندما يكون الإنسان كوردياً من الممكن أن يتفهم هذا الشعار، لكن في المقابل يعتقد العرب أيضاً بأن كركوك هي قدسهم، وإذا نظرنا إلى الحقائق التاريخية نلاحظ بأنه وعلى مر التاريخ، كان هناك أكراد وعرب وتركمان يسكنون في هذه المدينة، ولأنني لست متخصصاً في التاريخ لا أستطيع تبيان النسبة المئوية لعدد هذه القوميات أدرك بأن كركوك يمثل لي شيئاً مهماً، كما يمثل للكوردي والتركماني، لكنني لا أنظر إلى كركوك مثلما ينظر إليها نظام صدام، حيث التهجير والترحيل للسكان الأصليين في المنطقة، وجلب العرب من مناطق الوسط والجنوب ودفع الأموال إليهم وتوطينهم في كركوك، مثل هذه السياسة تدخل ضمن نطاق سياسة التطهير العرقي وتغيير الواقع القومي للمدينة.

أنا والكثيرون ضد هذه السياسة التي تتنافى مع الحقوق الإنسانية، وحق الإنسان في اختيار المكان المناسب للعيش، وكما ذكرت أن نقطة الخلاف هو أن الكورد يعتبرون كركوك قدسهم وأنه يمثل الشيء الكثير بالنسبة لهم، وفي اعتقادي لا يجب أن تصبح كركوك كوردية أو عربية أو تركمانية، وإنما هناك حلول أخرى للتعايش في هذه المدينة. 

علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار، أن أي حاكم جديد للعراق سيجد نفسه أمام مأزق أخلاقي إذا قام بعمليات تطهير عرقي بحق الكورد أو التركمان، نحن الآن أمام حقيقة أخرى في العصر الحالي ألا وهي لغة الحوار، وحقوق الإنسان، حق العيش في كركوك وحق العودة للمهجرين إلى المدينة وإزالة آثار التعريب، باعتقادي أنه بهذا الشكل نستطيع التوصل إلى حل مشكلة كركوك.

أنا لست مع ما يقوم به النظام العراقي في الوقت الحاضر لحل مشكلة كركوك، لأن ما يقوم به هو ضد حقوق الكورد، ومن المحتمل ضد التركمان، هناك أعداد كبيرة من الكورد والتركمان قد هُجروا من كركوك وتم توطين آخرين من العرب محلهم، لكن وفي نفس الوقت ومنذ مئات السنين يوجد عرب يعيشون في كركوك.

لا يجب السماح لكل كوردي مستقبلاً بالمجيء إلى كركوك عند الإحصاء العام، بل يجب أن توجد ضوابط وحسب الإثباتات، والتمييز بين من هُجروا عن ديارهم والآخرين، والحوار هو الكفيل لحل هذه المعضلة وبإرادة مشتركة.

أقول مثلاً: إذا أراد الكورد الانفصال عن العراق، فمن حقهم الحصول على نسبة مئوية من عائدات النفط المستخرجة من كركوك، إما إذا أختار الكورد الاتحاد الفيدرالي، من الممكن أن تصبح كركوك مدينة لتعايش جميع القوميات، والتصرف مع هذه المدينة على هذا الأساس.

 

الدكتور مبدر الويس: * 

مع الأسف في العراق، ومنذ بداية الحكم الوطني عام 1921م ـ وأسميه الحكم الوطني باعتبار أن أهل البلد تسلموا السلطة ـ  سواء في العهد الملكي أو العهود التي جاءت بعد ثورة 14 تموز، كلها أنظمة غير ديمقراطية، نوع من الأنظمة تستطيع أن تطلق عليها أنظمة دكتاتورية، لكن وفي نفس الوقت لا نستطيع أن نقارن بين عهد الزعيم عبد الكريم قاسم والأخوين عارف مع نظام البعث الحالي.

في خلال هذه الفترة عانى الكورد الكثير من الويلات من جراء سياسات تلك الأنظمة، وفي اعتقادي لو كان هناك نظام ديمقراطي قبل خمسين عاماً من الآن، لكانت الكثير من المسائل المعقدة قد عولجت بطرق عقلانية، لأن مثل هذه المسائل لا تعالج إلا بالديمقراطية، لأن صندوق الاقتراع هو الكفيل لحل جميع مشاكلنا. وللأسف الشديد لم تحصل عندنا مثل هذه الظروف، وبعد كل الجرائم التي ارتكبت بحق المواطنين من الكورد والعرب والتركمان، نأمل أن يكون النظام المستقبلي لحكم العراق ديمقراطياً ليستطيع أن يعالج هذا الكم الهائل من المسائل التي تنتظر الحل العادل، وعلى رأسها القضية الكوردية وإقرار حق تقرير المصير للشعب الكوردي، وفي اعتقادي أن مسألة كركوك أيضاً يجب أن تحل بالطرق الديمقراطية، أي أن يؤخذ رأي الأهالي في كركوك بعين الاعتبار، أعني إذا صوّتَ أهالي كركوك بأن كركوك هي جزء من كوردستان، واعتقد أن هذا ما سيحصل، لأن غالبية سكان كركوك من الكورد، فليكن ذلك.

 

سيروان رحيم:

يجيب الأستاذ نوشيروان مصطفى حول وجهات نظر المعارضة العراقية حول جغرافية كوردستان وخاصة كركوك، فيقول:

أستطيع القول بأن المعارضة العراقية تنقسم إلى قسمين، قسم منهم ينظرون إلى حدود جغرافية كوردستان ومسألة كركوك مثلنا، ويعتقدون بأن الوضع في كركوك شاذ وغير طبيعي وفي برامجهم المستقبلية العمل على تصحيح هذه الأوضاع وإزالة آثار التعريب المقيتة.

أما القسم الآخر من المعارضة فهي في الحقيقة لا تختلف أبداً عن النظام الحالي في طروحاتهم حول كركوك، وغير مستعدين للموافقة على ضم كركوك إلى المنطقة الفدرالية، أي إلى جغرافية كوردستان.

لكن جوهر القضية مرتبط بإرادتنا نحن الكورد، وليس تماشياً مع أهواء هذه الجهة من المعارضة أو تلك، وبرأيي الشخصي يجب على جميع الأحزاب الكوردية والمنظمات والشخصيات الكوردستانية، أن تضع شرط تحديد حدود جغرافية كوردستان في أولويات تعاملهم للتعاون والتنسيق مع أي حزب أو فصيل في المعارضة العراقية من الآن، وإلا لا حاجة للتنسيق والتعاون معها. 

 

سيروان رحيم:

استطاع الكورد في انتفاضة آذار المجيدة عام 1991، في مساء عيد نوروز التاريخي للكورد بأن يحرروا كركوك لأول مرة منذ تأسيس الدولة العراقية وإلحاقها بجنوب كوردستان، لتسعة أيام فقط تنفست كركوك الصعداء من ظلم وجور الأنظمة التي لم ترَ في كركوك سوى بحر من النفط لتغذية الماكنة العسكرية العراقية وأحلامهم التوسعية.

لم يستطع الكورد الصمود وحماية كركوك أكثر من تلك الأيام التسعة، إثر الحملة الشرسة التي شنتها قوات الحرس الجمهوري المجهزين بأحدث الأسلحة وذوي الصلاحيات من أعلى سلطة في العراق لإحراق الأخضر مع اليابس، لكن هذه الأيام التسعة أثبتت حقيقة واضحة وهي تحطيم آمال وأحلام الأنظمة الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق، وانتهاج سياسة التعريب على مدى عدة عقود.                                               

كيف حُررت كركوك؟ وما هي الصعوبات التي لاقتها قوات الحركة التحررية الكوردية/البيشمركة؟ وكيفية التخطيط لعملية تحرير المدينة. هذا ما سيوافينا به الأستاذ نوشيروان مصطفى.

 

الأستاذ نوشيروان مصطفى:

أن واحدة من المفاخر التي أستطيع أن أفتخر بها على مدى سنين عمري هي، المشاركة الفعلية للتخطيط وتحرير كركوك.

في 20 آذار 1991، ومن كركوك، كتبت بخط يدي التهنئة للشعب الكوردي على إحدى السيارات التي كانت في طريقها إلى المدن الكوردستانية الأخرى، مهنئاً إياه بتحرير مدينة كركوك، وقرأت بيان التهنئة من إذاعة صوت الشعب الكوردستاني آنذاك.

وعندما هاجم العراق الكويت واحتلها، إنقلب العالم ضد النظام العراقي،  هددوه، ونصحوه بالانسحاب، لم يستجب النظام العراقي إلى ذلك، فظهرت بوادر بأن العراق سيُضرب من قبل تلك القوى، فأخذنا نحن في قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني نتدارس الوضع لحالة ما إذا حدث وضرب العراق، أو في حالة انسحاب القوات العراقية من الكويت. ما هي الخطوات التي يجب اتخاذها؟  وماذا يجب أن نفعل؟ 

درسنا الوضع ملياً، وبشكل دقيق، وبدأنا العمل على قدم وساق، عن طريق اللقاءات والاجتماعات مع الكوادر السياسية، ومع القادة العسكريين في الاتحاد الوطني، ونتيجة المشاورات، استطعنا أن نحصي بدقة قوات الجيش العراقي وتشخيص أماكن تواجدهم، وبعثنا بالرسائل إلى رؤساء المتعاونين من الأكراد مع النظام العراقي شارحين لهم الوضع القائم ونصحناهم بأن يلزموا جانب شعبهم والتخلي عن هذا النظام الخاسر لا محال.

بدأنا الاتصال بشكل منظم بجميع منظماتنا في كوردستان وتحريكهم والاستعداد للمعركة المقبلة، استطعنا الحصول على خرائط بلدية كركوك، وتعيين أماكن مقرات الحزب الحاكم ودوائر الأمن والمخابرات والاستخبارات، كذلك تعيين مواقع ومقرات وبيوت العملاء والجواسيس، على ضوء تلك الخرائط، عملنا مسحاً كاملاً لمدينة كركوك، وعلى أساس ذلك الإجراء عيّنا الأشخاص المناسبين لكل موقع وأن يكونوا على أهبة الاستعداد في ساعة الصفر في الحقيقة كانت الخطة محكمة، وتم تنفيذها ببراعة.

أولئك الذين لم يشاركوا في الانتفاضة ولم يناضلوا، يقولون بأن الانتفاضة كانت جماهيرية وعفوية، نتجت بعد انهيار النظام، لكن الواقع غير ذلك، وإذا سلمنا بأقوال هؤلاء لكان وضع كوردستان الآن، كما عليه الوضع في جنوب العراق.

بدأت الانتفاضة من رانية والمناطق المجاورة لها في 5 ـ 3 ـ 1991 ونتيجة لتحرير رانية وتلك المناطق، فُتح الطريق أمام القيادة السياسية للجبهة الكوردستانية والقوات العسكرية التابعة لها للدخول من هذا المنفذ.

وفي 7 ـ 3 ـ 1991 بـدأت الانتفاضــة فـي السـلـيـمـانـيـة، وفـي 11-3-1991 بدأت في أربيل، وكان الاتفاق على أن يتم تحرير كركوك في آخر مرحلة، وذلك للوضع الاستثنائي لهذه المدينة وكثافة القوة العسكرية الموجودة فيها بالإضافة إلى قوة حماية شركة النفط، والقاعدة الجوية العسكرية، ومقرالفيلق، وفي كركوك أعداد كبيرة من العرب المسلحين هؤلاء الذين جلبهم النظام لتعريب المدينة، لهذه الأسباب، ولأنه ميدانياً لا يصح أن تهاجم منطقة بعيدة عنك قبل أن تبدأ بالمناطق الأقرب، اتفقنا على أن نباشر بعملية تحرير كركوك في المرحلة الأخيرة، أي بعد تحرير السليمانية وأربيل وبهدينان ومنطقة كويسنجق وصلاح الدين وشقلاوة وكرميان، ومن ثم وبجميع قوات هذه المناطق نبدأ الهجوم.

في الحقيقة لم تكن عملية تحرير كركوك سهلة أبداً، كانت المعركة على أشدها واستشهد المئات من أبناء الشعب الكوردي في تلك المعركة.

أما بالنسبة للتخطيط لهذه العملية، كانت كالآتي:

استعدنا نحن في الاتحاد الوطني الكوردستاني بكافة إمكانياتنا وقواتنا المسلحة وبالتنسيق مع باقي قوى الجبهة الكوردستانية وبالاتفاق مع ـ أفواج الدفاع الوطني ـ كما يسميهم النظام، ويطلق عليهم الكورد ـ الجحوش ـ  وبعد التحاقهم بنا وتعاونهم معنا أطلقنا عليهم إسم ـ المسلحون الثوريون ـ كان الاتفاق على أن تتوحد جميع القوى ويبدأ الهجوم لتحرير كركوك من ثلاثة محاور، المحور الأول من أربيل عن طريق آلتون كوبري، والقوة الثانية كانت مؤلفة من قوة السليمانية، وأن يبدأ الهجوم من جمجمال وقرة هنجير صوب كركوك، أما القوة الثالثة فكانت هي قوة كرميان، وكان من المتفق أن تهاجم هذه القوة من طوز خورماتو لتدخل كركوك أي من الجنوب، لكن مع الأسف الشديد لم تستطع تلك القوة من دخول كركوك وذلك لاصطدامهم مع قوة ضخمة من قوات مجاهدي خلق الإيراني، الموالي للنظام العراقي، وللأسف استطاعت قوة مجاهدي خلق إشغال قوة كرميان وعدم تمكينها من دخول كركوك، وخاصة هذه الجبهة التي كان معسكر خالد للقوات الخاصة يعسكر فيها.

أما بالنسبة للقوتين الأخريين وباسناد من آلاف المدنيين الذين لم يستعملوا السلاح سابقاً، وحتى النساء والصبيان كانوا يأتون إلينا للحصول على السلاح، ولحصولهم على شرف معركة تحرير كركوك.

في تلك المعركة وعلى مدار الأيام التي استمرت، كان الأهالي من أربيل والسليمانية يطبخون الطعام ويمدون المقاتلين في جميع الجبهات كمشاركة فعلية لهذه العملية المقدسة وفي نفس الوقت كدعم معنوي للمقاتلين.

بدأ الهجوم الفعلي يوم 19 ـ 3 ـ 1991. لكن قبل هذا التاريخ كنا قد بعثنا المئات من قوات البيشمركة بصورة سرية للتسلل إلى داخل المدينة لمهاجمة بعض الأماكن الحساسة التي كنا قد حددناها لهم، وفي نفس الوقت كنا قد أبلغنا عن طريق الإذاعة أهالي كركوك والشباب والخلايا السرية الأستعداد للمعركة الآتية.

لكن للأسف استطاع حسن علي المجيد ـ علي كيمياوي ـ من إلقاء القبض على حوالي خمسة آلاف من الشباب داخل المدينة، وإرسالهم إلى الرمادي إلى قفص الأسرى وذلك بغية عدم مشاركتهم في عملية التحرير.

وكما ذكرت سابقاً بـدأ الهـجـوم ومـن جـمـيـع الجـبـهـات يــــــوم 19 ـ 3 ـ1991 وفي 20 ـ 3 ـ 1991 استطعنا دخول المدينة، ومساء نفس اليوم طلبت شخصياً من مسؤولي الجبهة الكوردستانية الحضور إلى مبنى محافظة كركوك لعقد اجتماع، لتدارس الأوضاع ووضع الخطط اللازمة للمحافظة على الأمن داخل المدينة، وخطط الدفاع وحماية كركوك من الهجوم المعاكس المرتقب، وفي 21 ـ 3 ـ 1991 وهو اليوم المصادف لعيد نوروز التاريخي للكورد، كان يوماً مشهوداً، أدخل الفرحة لقلب كل كوردي، لأنه يوم تحرير كركوك ورجوعها إلى أحضان الوطن.

أنا لست متعصباً شوفينيا، ومن الطبيعي جداً أن أرى العربي والتركماني والآثوري يعيشون في كركوك بجانب الكوردي بهدوء وسلام، لكن عندما أرى بأن يقتلع الكوردي من جذوره التاريخية من أرض آبائه وأجداده ويحرم من العمل والدراسة بلغته وتصادر جميع حرياته، وفي المقابل يجلب شخص آخر ليحل محله فالنضال يصبح واجباً مقدساً.

أما عن مستقبل كركوك، أقول كيف استطعنا أن نحررها في العام 1991 سنعيد الكَره تلو الأخرى وبالقوة، ليست كركوك وحسب بل جميع الأراضي والمناطق الكوردستانية، وإعادتها إلى ظل الإدارة الكوردية.

أتمنى من كل قلبي أن نرى كركوك محررة، معزة، مكرمة، في المستقبل القريب.

 

سيروان رحيم:

بغية توضيح الأسباب الكامنة وراء ما آلت إليه الحال في مدينة كركوك، والممارسات اللاإنسانية التي مورست بحق الشعب الكوردي، وما رافقتها من حملات التطهير العرقي والتعريب طُرح السؤال على بعض المختصين والضالعين بشؤون المنطقة.

 

شورش حقي: *

إن كركوك ذات أهمية كبيرة للكورد، وفي نفس الوقت تشغل كركوك أهمية خاصة عند المحتلين من حكام بغداد المتعاقبين وهم ينظرون إلى كركوك من زاوية مهمة جداً.

في البداية أود القول بأن كركوك واحدة من المدن الكوردستانية العريقة، التي يحاول المحتل تغيير طابعها القومي ومحو الأثر الكوردي فيها، وتحويلها إلى مدينة عربية.

مدينة كركوك ذات عمق استراتيجي لكوردستان العراق ولا يجب التخلي عن كركوك وضواحيها والمناطق المحاذية لها، إذا ما فكر الكورد يوماً بالأمن القومي الستراتيجي الكوردي، ولا يخفى على أحد تلك الثروة الهائلة الموجودة في كركوك المتمثلة بوجود الاحتياطي النفطي في حقول وآبار كركوك، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد كوردستان العراق في حالة تشكيل أي كيان كوردي في المستقبل وإمكانية العيش بجوار جيراننا، ستشكل تلك الثروة البناء التحتي لاقتصاد كوردستان، وحتى في حالة نضوب تلك الثروة لا يجب التخلي عن كركوك لأنها مدينة كوردستانية على مر التاريخ.

لهذه الأسباب تأتي أهمية كركوك بالنسبة للكورد، أما بالنسبة لأهميتها عند الأنظمة العراقية المتعاقبة، تأتي الثروة النفطية بالدرجة الأولى لامتلاك هذه المدينة وتعريبها، يودون امتلاك كركوك كمدينة نفطية غنية وأن تكون هذه الثروة من نصيبهم، وخاصة النظام الحالي في بغداد الذي فاق جميع من سبقوه بسياساته الشوفينية في التعريب والترحيل القسري للمواطنين الأكراد والتطهير العرقي وتغيير الطابع الديمغرافي للمدينة.

والنقطة الأهم في سياسات تلك الأنظمة هو حرمان الكورد بالدرجة الأساس من الثروة النفطية الموجودة في كركوك، ويعملون المستحيل من أجل ذلك.

وبالإضافة إلى ذلك تعتبر كركوك في مفهوم النظام الحاكم واحدة من المدن الاستراتيجية الثلاث، المرتبطة بالمفهوم الأمني العراقي، يعني مستقبل العراق والحياة الاجتماعية فيه مرتبطة بثلاث مدن وكركوك واحدة من هذه المدن.

ونحن كأكراد ضعفاء وغير منظمين تنظيماً جيداً، في معركة غير متكافئة، أمام دولة ونظام حكم استبدادي، ويمتلك من مقومات وجوده وتثبيت أركان حكمه، الأموال الطائلة والأسلحة الفتاكة، وأنهم يعملون على تعريب كركوك والاستحواذ عليها ضمن خطة مدروسة ومبرمجة ويتم تنفيذها بإتقان، وفي اعتقادي نحن الكورد لم نعمل الكثير ضد هذه السياسة الشوفينية.

إن نظاماً كالنظام الحاكم حالياً في بغداد، وضع كل إمكانياته المادية والمعرفية لتطبيق سياسة التعريب ليس لمدينة كركوك فقط بل حتى القرى والقصبات التابعة لها، ونفذت هذه السياسة بإتقان بارع ، بالنسبة إلى مركز مدينة كركوك حاول ولا يزال تعريبها كاملة وقطع أشواطاً كبيرة في هذا المجال، أما بالنسبة إلى الأطراف ومن جميع الجهات عمد النظام إلى خلق حزامين أمنيين، أولاً حزام عربي وذلك بتوطين العشائر العربية الموالية له على أطراف المدينة، والحزام الثاني هو إخلاء مناطق شاسعة من السكان وجعلها مناطق عسكرية محرمة. وهذا الكلام مستند إلى وثائق، فمثلاً لديّ وثيقة تعود إلى العام1981 موجهة إلى جميع دوائر الأمن والاستخبارات والشرطة في المناطق الكوردية، تطلب فيها آراءهم ومقترحاتهم حول تلك المناطق التي يقطنها أقوام مختلفة كالكورد والتركمان، وكيفية زيادة العنصر العربي تدريجياً لحين تعريبها كاملة.

وإن أحد قرارات مجلس قيادة الثورة في العراق وهي ـ أعلى سلطة تشريعية في العراق ـ  مذيل بتوقيع رئيس الجمهورية العراقية.

وهو القرار 529 في 23 ـ محرم ـ 1410 هـ    ــ   24 ـ 8 ـ 1989 م  يقول:

"استناداً إلى أحكام الفقرة ( أ ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور.

قرر مجلس قيادة الثورة ما يلي:

أولاً: يحق للعراقيين من غير سكنة محافظات الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في مناطق الحكم الذاتي وفق السياسات المتعلقة بتوزيع قطع الأراضي السكنية للمواطنين بالإضافة إلى ما يمتلكه في مسقط رأسه ويشمل بقرض المصرف العقاري استثناءً.

ثانياً: يحق للعراقيين من سكنة منطقة الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في مدينة بغداد والمحافظات الأخرى عدا محافظات (نينوى، التأميم، ديالى1) بالإضافة إلى ما يمتلكه في مسقط رأسه ويشمل بقرض المصرف العقاري استثناءً.

ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية".

 

 الدكتور نوري طالباني:

إن جنوب كوردستان لا يعني فقط تلك الأراضي الواقعة اليوم تحت سيطرة الحزبين الرئيسيين في كوردستان، بل أستطيع القول بأن 43% من مساحة كوردستان لا تزال تحت سيطرة النظام الديكتاتوري في بغداد، الذي لا يزال يلاحق الكورد ويمارس سياسة التطهير العرقي بحقهم، ويجلب العرب لتوطينهم في تلك المناطق.

أن كركوك هي ملك الكورد جميعاً، وقد قلت وأشرت كثيراً في ما مضى أن خلاص الكورد من وضعهم المأساوي الحالي، والعيش بسلام على أرضه التاريخية كباقي أمم وشعوب العالم، هو يوم عودة كركوك إلى أحضان الوطن الكوردي، وتحت إشراف الإدارة الكوردية.

وكوردستان بدون كركوك هو كجسد بدون روح، لذا يتحتم على كل كوردي، وكل الأحزاب السياسية الكوردية،  تسخير كافة الطاقات لإيقاف هذه السياسة العنصرية الشوفينية من قبل حكام بغداد، واستنباط الوسائل الجديدة لذلك العمل الجليل.

شكلنا في بريطانيا مركزاً باسم (مركز كركوك للدراسات والنشر) ويعمل هذا المركز على فضح السياسة الشوفينية للنظام العنصري الحاكم الذي يعمل على تعريب كركوك والأراضي الكوردستانية، ويعمل المركز على جمع الوثائق التاريخية الرسمية والإحصائيات، وجمع المعلومات عن الإجراءات المنافية لأبسط حقوق الإنسان التي تمارس من قبل النظام العراقي بهدف تقديمها ونشرها بصورة صحيحة للمسؤولين في الهيئات الدولية، وللرأي العام العالمي ولجميع لجان حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة، والدول الغربية ، وللإعلام العالمي.

أود أن أشير هنا إلى أنني لا أعني كركوك المدينة فقط، بل محافظة كركوك الممتدة من الزاب الصغير إلى نهر سيروان، ومن زاغروس إلى سلسلة جبال حمرين، إن هذه البقعة الجغرافية تدعى منطقة كركوك حسب الوثائق التاريخية.

 

الدكتور آلان درويش: *

إن السياسة الستراتيجية لجميع الأنظمة التي حكمت العراق، من تاريخ إلحاق جنوب كوردستان بالعراق العربي في العام 1925، وخاصة في عهد حزب البعث الحاكم، كان ولا يزال هو حرمان الكورد من المقومات الأساسية لبناء كيان كوردي، ألا وهو، الاقتصاد القومي، وتشكل كركوك الغنية بالنفط واحدة من تلك المقومات الأساسية، فلهذا جاءت سياسة التعريب على طول كوردستان من خانقين ومندلي إلى قضاء الشيخان وسنجار، وأن سياسة الأنظمة الحاكمة في العراق لتعريب كركوك هي الاستيلاء على الثروة النفطية المتواجدة في كركوك من جهة، وحرمان الكورد من العمق الستراتيجي، وحرمانها أيضاً، من هذه الثروة النفطية كي لا تقوم للكورد قائمة، من جهة أخرى.

لم تتحرك الأحزاب السياسية الكوردية، إلى حد الآن بشكل فعال أمام هذه السياسة الشوفينية المتمثلة بالتعريب والتطهير العرقي في جنوب كوردستان.

يجب علينا البحث عن الأسباب التاريخية لاستمرار هذه السياسة، مثلاً نحن على علم بأن سياسة التعريب قد بدأت في حدود عام 1930 حين جلبت الحكومة العشائر العربية، وتم توطينها في سهل الحويجة، تأسس العراق كدولة في العام 1921 وتم إلحاق كوردستان به في العام 1925 يعني هذا أننا كنا مستعمرة بريطانية لغاية هذا التاريخ، ولهذا السبب يجب علينا أن نرجع إلى الأسباب التاريخية والقانونية وإحيائها، وبالإضافة إلى تلك الأسباب لا بد أن ندرس الأسباب الذاتية ملياً ، لماذا لم نستطع إلى حد الآن من وضع مشروع برنامج متكامل لصد هذه السياسات الشوفينية ضدنا؟  حين ألحق جنوب كوردستان بالعراق العربي في العام 1925 كما أشرت سابقاً، تعمد الإنكليز على عدم تحديد هوية  كوردستان الأثني، على العكس من توصيات اللجنة التي بعثت بها عصبة الأمم المتحدة آنذاك في العام 1924 بهدف إجراء مسح للمنطقة واستطلاع آرائهم حول إلحاق كوردستان بالعراق، أم لا، وحسب إحصاء اللجنة شكل الكورد خمسة أثمان سكان المنطقة بدون الإيزديين، وقد ألحق كوردستان للعراق بقرار سياسي بريطاني. 

 

المهندس حسين غلام:

أعطت السلطنة العثمانية في العام 1914 امتياز التنقيب عن النفط إلى شركة تركية باسمT. P. C، وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى شكلت بريطانيا حكومتين في المنطقة، وهي الحكومة العراقية في العام 1921 وجيء بفيصل الأول وأعلن ملكاً على العراق، وحكومة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، تحت الانتداب البريطاني، ولقب الشيخ محمود بشاه كوردستان، المتكونة من لواء السليمانية، كركوك، الموصل، وأربيل، آنذاك اكتشف الإنكليز النفط في مدينة خانقين الكوردية، واتضح وجود النفط أيضاً في أطراف مدينة كركوك ، بعد هذه الاكتشافات النفطية تخلى الإنكليز عن حكومة كوردستان في (ولاية الموصل) وإلحقت بالدولة العراقية،  وفي نفس العام 1925 وقعت بريطانيا مع الحكومة العراقية امتيازاً لاستخراج النفط في كافة إنحاء العراق وسميت الشركة التي ستقوم باستخراج النفط ،  شركة نفط العراق I . P . C  وكان الامتياز يشمل جميع أنحاء العراق لغاية عام 2000 م.

في العام 1925 م  بدأ الإنكليز بالتنقيب عن النفط بمحاذاة سلسلة جبال حمرين ، تم حفر بئر في منطقة ـ إنجانة ـ واكتشفت كمية قليلة من النفط في ذلك البئر ، وبدأت الشركة بتوظيف الأهالي كعمال ، كان قسم منهم من الأكراد من أهالي كركوك وطوز خورماتوا والمناطق المجاورة ، وفي العام 1927 حين تم اكتشاف النفط بكميات كبيرة في كركوك بدأ الإنكليز بتغيير سياستهم في التعيين والتوظيف، وذلك بجلب العرب والآثوريين والأرمن من خارج كوردستان وتعيينهم في شركة النفط في كركوك، ليس هذا وحسب، بل جلب أعداداً أخرى من السوريين واللبنانيين والهنود والباكستانيين وتعينهم في وظائف ليست بحاجة إلى مهارات وخبرات متخصصة، بينما كان الكوردي يُبعد شيئاً فشيئاً عن الاستخدام في شركة النفط، صحيح كان هناك تعيين للأكراد أيضاً ، لكن بنسب قليلة جداً قياساً لنفوسهم.

اكتشف حقل كركوك كما أشرت سابقاً في العام 1927 حيث تم حفر البئر الأول، وأنه كان أكبر آبار العالم آنذاك، وهو يتكون من ثلاثة أحواض من النفط الخام، بئر: بابا كركر، آفانا،  وخورمال،  معدل عمق بابا كركر هو 750 متراً، ويمتد الحقل من جبل بور في شرق كركوك بطول مائة كم إلى القرب من قرية "كوير". إلى الجنوب الغربي من أربيل، وعرض الحقل هو أربعة كم، وسمك الحقل هو1200 فوت أي 400 متر، وفي ذلك الحين عند اكتشاف الحقل كان فيه 17 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج، ومنذ ذلك الحين، إلى حد الآن يستخرج النفط من هذا الحقل، بغض النظر عن فترة قليلة، بعد أحداث عام 1991 الذي توقف فيه تصدير النفط. وسبعة عشر مليار برميل، يعادل 1800 مليون طن، وتم استخراج ما يقارب 1200 ـ 1300 طن إلى حد الآن،  وكمية الـ 17 مليار هي التي يمكن استخراجها بالوسائل التقليدية، ولكن هناك كميات كبيرة أخرى من النفط لا تستخرج بالوسائل التقليدية، بل تحتاج إلى أموال طائلة، ووسائل تكنيكية متطورة، وهناك شركات محدودة في العالم تستطيع استخراجها، وهذه الكمية تعادل ما يقارب 10 ـ 11 ألف مليار برميل.

إن المقياس العالمي لتقييم أي بئر للنفط في العالـم هــو استخراج  12 ـ 15 ألف برميل يومياً، ويعني هذا أن البئر ذو إنتاج جيد، لكن بالنسبة لآبار نفط كركوك فكان معدل الإنتاج اليومي يصل إلى40 ألف برميل يومياً، وهناك آبار تنتج أكثر بكثير من هذا المعدل، وكان واحد منه يصل معدل إنتاجه إلى 105 ألف برميل يومياً، وكان هذا الرقم قياسي، لم يصل إليه أي بئر في العالم، لكن وبمرور الزمن واستخراج النفط بصورة مستمرة، لم تعد تعطي نفس الكمية في الوقت الحاضر، الأرقام التي تحدثت عنها هي، في الفترة التي تم اكتشاف تلك الآبار. 

 

سيروان رحيم :

 يقول الوزير جلال جوهر في حكومة إقليم كوردستان ـ السليمانية ـ والمسؤول عن ملف كركوك: "التعريب سياسة قائمة للسلطات العراقية بشكل مبرمج منذ العام 1963، وخاصة في عهد النظام الحالي للعراق، وصلت سياسة التعريب أوجها للمناطق الكوردية، وخاصة لمدينة كركوك وخانقين، وكان المشرف على الدوام على هذه السياسات شخصيات تأتي مباشرة بعد صدام حسين وتأخذ أوامرها فقـط مـن صدام، فمن تـــاريخ الانتـفـــاضــة عــــام 1991 ولغــايـة 1 ـ 1 ـ  2000 وصلت العائلات المهجرة من كركوك وحدها إلى 15707 عائلة يبلغ تعدادهم 93257 إنسان، ومن 1 ـ 1 إلى هذه اللحظة ـ أواخر عام 2000 ـ، هجرت مائة عائلة أخرى يبلغون 600 شخص، نحن نحاول مساعدتهم حسب إمكانياتنا لتوفير السكن المؤقت لهم في المجمعات الخاصة لهذا الغرض وإدخال أطفالهم المدارس، لكن هذا لا يحل المشكلة، وخاصة أن أعداد المرحلين والمهجرين في ازدياد مستمر، والحل هو بالدرجة الأولى ايقاف عمليات الترحيل القسري وسياسة التعريب.

 وبدورنا نحاول دائماً فضح هذه السياسات واعلام المنظمات الإنسانية العاملة في كوردستان، وهم يبلغون ذلك إلى مراجعهم العليا، لكن الظاهر لم تستطع هذه المنظمات بما فيها منظمة الأمم المتحدة ايقاف حملات التهجير وسياسة التعريب".

 

واحدة من الأخبار المتداولة، هذه الأيام هو التخطيط لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في كركوك وضواحيها، إن صح ما يقال فان المستقبل لا يبشر بالخير أبداً، وتنفيذ هذه العملية، هي بمثابة قنبلة موقوتة، ستنفجر في أية لحظة. ماذا ترمي الحكومة العراقية من هذه الخطوة؟ هل هو من أجل خدمة الفلسطينيين العرب؟ أم لتكملة تغيير الواقع القومي لمدينة كركوك؟ أم خدمة لإسرائيل وجلب انتباهها لدخول العراق في العملية السلمية؟ أم يريد تحقيق كل هذه الأمور مجتمعة؟

 

*        رئيس الحزب الوطني ـ العراق

*  الأمين العام للحزب الاشتراكي العراقي

* باحث

1 غَير النظام العراقي الأسماء التاريخية للمحافظات العراقية ، إلى أسماء أستحدثها لغاية في نفس يعقوب ، والمحافظات الثلاث المذكورة في القرار هي كالآتي : نينوى ـ الموصل ، التأميم ـ كركوك ، وديالى بقيت نفسها ، لاحظ هنا السياسة العنصرية  والإجحاف بحق الكوردي الذي يحرم من امتلاك قطعة أرض أو دار في المحافظات الثلاث علماً بأن هذه المحافظات هي من ضمن ولاية الموصل ، أي كوردستان الجنوبية  ، بينما يحق للعراقي العربي بأن يمتلك الأرض أينما كان في أنحاء العراق .

* مختص في العلوم السياسية