دراسات

ثقافة كردية

Home

الارشيف

 

 

 

كوردية كركوك في ظل الحقائق

 

التاريخية ــ الجغرافية

 

 الدكتور خليل إسماعيل محمد

 

كشفت الحفريات في كوردستان العراق، إن الإنسان قد سكنها منذ عهود موغلة في القدم وأقام على أرضها، أقدم الحضارات الزراعية. وذلك منذ أكثر من ستة آلاف سنة قبل الميلاد ومنها انتشرت القرى والتجمعات السكنية إلى بقية السهول والمنحدرات الجبلية في ظل ملائمة المناخ، وخصوبة الأرض ووفرة المياه، ومع اتساع اليابسة في الجنوب، ازدادت موجات الهجرة إليه من الشمال،  ولذلك يرى "طه باقر" أن الحضارة السومرية، ما هي إلا استمرار للحضارة الزراعية الأولى في كوردستان العراق (1).

ويشير الباحثون إلى أن (الكوتيين) الذين يمثلون الأصول الأولى للشعب الكوردي، كانوا يحكمون أجزاءً واسعة من كوردستان العراق. كما كانت منطقة كركوك جزء من دولتهم بل أن (أرابخا) أو كركوك الحالية كانت عاصمة لتلك الدولة (2).

ومع أن الآشوريين حكموا المنطقة لفترة من الزمن. إلا أن الميديين استطاعوا في (612 ق. م) من تحريرها. فكان العراق يومئذ مقسماً بينهم وبين الكلدان الذين سيطروا على القسم الجنوبي(3). ثم خضعت المنطقة إلى نفوذ المقدونيين والساسانيين حتى سنة 636 م، حيث آلت إلى الإسلام القادم من الجزيرة العربية.

أما العرب فقد استوطنوا جنوب العراق منذ القرن الأول للميلاد وكانوا قبل ذلك التاريخ يغيرون من بادية الجزيرة على أطراف العراق الجنوبية ولذلك يرى "جرجي زيدان"(4) أن مصطلح (العرب) كان يطلق قبل الإسلام على سكان جزيرة العرب فقط.

يتضح مما سبق. أن منطقة كوردستان العراق كانت موطناً للإنسان القديم، وان الشعب الكوردي أقام عليها مستوطناته وتنظيماته الإدارية والسياسية قبل أن يهاجر إليها العرب. وكانت كركوك من أهم مراكز استيطانهم، بل واتخذت عاصمة لهم.

 

العراق: لغة واصطلاحاً

تؤكد الدراسات الفلو لوجية والتاريخية، أن (العراق) لم يكن يمثل حدوده الجغرافية الحالية. إلا مؤخراً وبعد تأسيس الدولة العراقية. والحاق ولاية الموصل بها سنة 1925 وإنما كان يقصد به: الأراضي المنبسطة التي تمتد مع امتداد السهل الرسوبي وسط وجنوب البلاد، ومن ثم فان كوردستان العراق بما فيها منطقة كركوك لم تكن يوماً ما جزءً من العراق.

لقد جاء في معجم (تاج العروس) في مادة (عرق) هو كل ما أتصل بالبحر من مرعى فهو  (عراق). ويرى (المارودي) إنما سمي بـ (العراق) لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض(5). وفي (معجم البلدان) سمي عراقاً لأنه دنا من البحر. وقال (أبو عمرو): أن أهل الحجاز يسمون ما كان قريباً من البحر عراقاً(6) وورد في (قاموس المحيط): أن أصل التسمية جاءت من تواشيح عراق النخل والشجر (وتعني المنطقة الممتدة من عبادان إلى الموصل طولاً ومن القادسية إلى حلوان عرضاً (7). أما المسعودي فأشار إلى أن حدود العراق الشمالية تنتهي عند (تكريت) على نهر دجلة و(هيت) على نهر الفرات (8) ويؤكد (ليسترنج) ذلك في أن حدود العراق تنتهي عند (تكريت) على نهر دجلة و(الأنبا ر) على نهر الفرا (9) مثلما يرى ذلك الدكتور فاضل حسين: "في أن العراق بمفهومه الحالي لم تتجاوز حدوده الشمالية أبعد من تكريت على دجلة وهيت على الفرات" (10).

وتأسيساً على ذلك فان مرتفعات حمرين كانت ولا تزال تمثل حدوداً متميزة بين منطقتين متباينتين طبيعياً وبشرياً لذلك تم اعتمادها حدوداً سياسية تارةً وإدارية تارةً أخرى بين المناطق التي يغلب عليها السكان العرب وتلك التي يغلب عليها الكورد ا(11). وقد أشار إلى ذلك العديد من الكتاب والباحثين العرب والمستشرقين من بينهم (12) أدمونز، الكابتن هي ملخن، باسيل نيكيتين، وكذلك من العرب الدكتور شاكر خصباك الذي يرى في أن مرتفعات حمرين تمثل جزءً أساسياً من حدود كوردستان العراق، والدكتور فاضل حسين مستنداً فيه على تقرير لجنة عصبة الأمم لحل مشكلة الموصل والذي جاء فيه: (أنه إذا كانت الحدود السياسية لولاية الموصل لا يمكن أن تكون حدوداً فاصلة للقوميات، فإن مرتفعات حمرين أكثر انسجاماً في هذا الاتجاه) (13). وكذلك المؤرخ (عبد الرزاق الحسني) والأستاذ (فائق السامرائي) الذي أكد (بأن حدود كوردستان العراق هي جبل حمرين الواقع جنوب كركوك بعشرات الأميال) (14).

لقد اعتاد معظم الجغرافيين تقسيم العراق طبيعياً أو إقليمياً إلى ثلاثة أقسام هي (15):

1 ـ المنطقة الجبلية

2 ـ السهل الرسوبي

3 ـ الهضبة الغربية

وكانت مرتفعات حمرين (في جميع التقسيمات) هي جزءً أساسياً في الحدود بين المنطقتين الجبلية والسهل الرسوبي، كما كانت في نظر (طه الهاشمي) حدوداً بين العراق الأعلى والعراق الأسفل.

وتتميز المنطقة الجبلية عن منطقة السهل الرسوبي ليس بتضاريسها ووعورة أرضها بل ومناخها الذي تعد حرارته أكثر اعتدالاً صيفاً وأكثر برودة في الشتاء كما تزداد كميات الأمطار الساقطة والثلوج، حيث تستلم المنطقة شمال مرتفعات حمرين كمية من الأمطار تتراوح بين (250) ملم إلى أثر من (1000) ملم بينما تقل (250) ملم في المنطقة جنوب تلك المرتفعات مما جعل الزراعة الديمية (المطرية) أكثر نجاحاً في المنطقة الجبلية، كما تميزت بالحشائش والغابات والأشجار العالية، فيما تنبسط الأرض في جنوب مرتفعات حمرين وتقل فيها الأمطار بحيث لا يمكن الاعتماد عليها في الزراعة وتفتقر إلى الأشجار والغابات (17).

من جهة أخرى فقد ساعد التكوين الجيولوجي للمنطقة شمال مرتفعات حمرين على ظهور المعادن وتجمع النفط في أكثر من موقع ومكان، ولا شك فأن هذا التباين في الخصائص الطبيعية بين المنطقتين الجبلية والسهل الرسوبي أوجد تبايناً في طرق الإنتاج الزراعي، ونوع المحاصيل ونمط الحياة الاقتصادية والاجتماعية(18).

ومن الجدير بالذكر إن امتدادات منطقة السهل الرسوبي الشمالية، تتماثل وإلى حد كبير وامتدادات حدود العراق الشمالية التي تمت الإشارة إليها في هذه الدراسة. فيذكر الدكتور (الخلف): إن حدود السهل الرسوبي تنتهي عند مدينة (سامراء) على نهر دجلة و (الرمادي) على نهر الفرات (19). ويرى المرحوم (الهاشمي) أن الحدود الفاصلة بين منطقتي العراق الأعلى والعراق الأسفل. خط يمتد بين (بلد) على نهر دجلة و(هيت ) على نهر الفرات (20). ومثل ذلك جاء في دراسة الدكتور ( فاضل الأنصاري) الذي حدد نهايات السهل الرسوبي بخط يمتد بين (بلد ــ الرمادي) (21).

في ضوء ما سبق يمكن القول بأن محافظة ( لواء) كركوك لم تكن بأي حال من الأحوال ضمن العراق، بل كانت تتبع المنطقة شمال مرتفعات حمرين، ومن هنا فأن التقسيمات الإدارية، وعلى امتداد التاريخ لم تضم منطقة كركوك يوماً من الأيام ففي العصر العباسي كان العراق (الحالي) مقسماً إلى (22).

1 ـ إقليم السوا: ويشمل منطقة السهل الرسوبي

2 ـ إقليم الجزيرة: ويطلق على القسم الشمالي من الهضبة الغربية وما جاورها من المنطقة شبه الجبلية

3 ـ إقليم الجبال: أو ما كان يسمى بـ (عراق العجم) ولم تكن منطقة (كركوك) ضمن إقليم السواد.

وحينما سيطر العثمانيون على العراق. تم تقسيمه إلى (17) سنجق (لواء). كان سنجق كركوك وسنجق السليمانية ضمن ولاية شهرزور (23). وبعد أن تولى (مدحت باشا) حكم العراق (1869 ـ 1872) كان حكمه مقتصراً على ولايتي بغداد والبصرة. وفي سنة 1879. كانت كركوك جزء من ولاية الموصل كما يتضح من الجدول التالي(24): 

التشكيلات الإدارية لولاية الموصل ـ السنجق: القضاء

الموصل: دهوك، زاخو، العمادية، سنجار، عقرة.

شهرزور: كركوك، أربيل، رانية، راوندوز، كويه، كفري.

السليمانية: بازيان، حلبجة، شهرزور، ميركه سوور.

ومن المعروف، إن الدولة العراقية كانت قد تشكلت أساساً من ولايتي بغداد والبصرة باعتبارها يمثلان العراق. قبل أن يسعى البريطانيون إلى إلحاق ولاية الموصل بها الأمر الذي تسبب في تصاعد الأزمة بينهم وبين الأتراك، فأوفدت عصبة الأمم على أثره لجنة سنة 1924 لتقصي الحقائق وأهم ما خرجت به اللجنة (25):

1 ـ لا تمتد حدود العراق أبعد من مرتفعات حمرين أو (تكريت) على نهر دجلة، وهيت على نهر الفرات.

2 ـ إن الأراضي المتنازع عليها (ولاية الموصل) لم تكن يوماً ما جزءً من العراق.

ومع ذلك فأن مصالح الدول الكبرى ولا سيما بريطانيا كان لها دور أساس في إلحاق (ولاية الموصل) بالدولة العراقية سنة 1925. وهكذا أصبحت (كركوك) إحدى التشكيلات الإدارية فيها ومن الملاحظ على خريطة العراق الإدارية هذه إنها كانت تتماثل وإلى حد كبير، وما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى من جهة، والتزمت بالمعطيات الجغرافية والاقتصادية والتاريخية من جهة أخرى (26).

وبقيت (مرتفعات حمرين) حدوداً إدارية لما عرف بـ (المنطقة الشمالية) أو (العراق الشمالي) والتي تمثلت بألوية (محافظات) الموصل (دهوك ونينوى) أربيل السليمانية وكركوك. وهي تتصف بسمات طبيعية واقتصادية وديمغرافية تميزها عن المنطقتين الوسطى والجنوبية، بما يجعلها إقليماً جغرافياً متميزاً (27).

واستمرت هذه التقسيمات في العراق طيلة العقود خمس التي تلت قيام الدولة العراقية. لكن العقد السابع من القرن الماضي كشف عن تغييرات واسعة في خريطة العراق الإدارية، لا سيما في كوردستان العراق. بهدف الإسراع في تنفيذ خطط التغيير القومي لسكانها لصالح العرب. 

فإلى جانب حملات التهجير والترحيل التي تعرضت لها محافظة كركوك، فأن الحكومة العراقية سعت إلى زرعها بالعشائر العربية وتقديم كل الإمكانيات لاستقرارها من توزيع للأراضي الزراعية وإقامة القرى والأحياء السكنية إلى تنفيذ المشاريع الاروائية وحفر الآبار وتوفير مستلزمات الأمن والحماية.

ولما لم تجد الحكومة العراقية كفايتها من الأساليب والوسائل لتغليب العنصر العربي في المحافظة. عمدت إلى تمزيق الخريطة الإدارية لها، من خلال توزيع الوحدات الإدارية ذات الأغلبية من سكانها الكورد على المحافظات المجاورة من جهة وإلحاق الوحدات الإدارية ذات الغالبية العربية بها (28).

1 ـ الاهتمام الخاص بقضاء الحويجة، حيث تم زرعه بالمستوطنات العربية منذ الثلاثينات من القرن الماضي كما ضمت الحكومة العراقية إليه ناحية (الزاب) من محافظة نينوى.

2 ـ تجزئة قضاء كفري، بتشكيل قضاء (كلار) من نواحي: تيله كو، باوه نور، ومركز قضاء كلار، الذي ضم إلى محافظة السليمانية فيما ألحقت بقية الوحدات الإدارية لقضاء كفري (قره تبه، كوكس، شيروانه، جباره) بمحافظة ديالى.

3 ـ الحاق قضاء جمجمال بنواحيه (آغجلر، سنكاو، ومركز القضاء بمحافظة السليمانية ).

4 ـ إلحاق قضاء دوز خورماتو بنواحيه (آمرلي، سليمان بكك ومركز القضاء) بمحافظة صلاح الدين التي تم استحداثها في 1976.

وهذا يعني أن عدد الوحدات الإدارية في محافظة كركوك قد انخفضت خلال عقد السبعينات من (23) إلى (11) وحدة فقط كما لم يتبق من مساحتها سوى اقل من النصف، الأمر الذي عكست أبعاده على التكوين القومي لسكان المحافظة، فمن مقارنة نتائج إحصاء 1957 و1977 بخصوص التوزيع القومي للسكان، يلاحظ ارتفاع نسبة السكان العرب من (2،28 %) إلى  (44,4 %) على حساب السكان الكورد الذين انخفضت نسبتهم من (48,3 %) إلى(37,6 %) خلال نفس الفترة.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار استمرار حملات التطهير العرقي للسكان الكورد في محافظة كركوك، خلال السنوات التي أعقبت ذلك التاريخ، ولا سيما خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وحتى الآن واستمرار زرع المحافظة بالعشائر العربية فإن ثمة مخاطر جدية، تحملها مثل تلك الحملات، ليس للوجود القومي الكوردي في المحافظة وحسب بل وعلى مستقبل القضية الكوردية في العراق أيضاً، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير الجدي أيضاً في تحديد الوسائل الممكنة لوقف سياسة التطهير العرقي في المحافظة.

 

هوامش الدراسة:

1 ـ طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة القسم الأول بغداد ـ 1955 ـ ص 190 ـ 195

2 ـ محمد أمين زكي خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ترجمة محمد على عوني مطبعة

صلاح الدين بغداد ـ 1961. ص 61.

3 ـ طه الهاشمي مفصل جغرافية العراق مطبعة دار السلام ـ بغداد 1930 ص 26 ـ 27.

4 ـ جرجي زيدان تاريخ العرب قبل الإسلام، بيروت 1978، ص 41.

5 ـ جاسم محمد الخلف، محاضرات في جغرافية العراق، مطبعة المعرفة القاهرة1965 ص437

6 ـ ليسترنج بلدان الخلافة الشرقية، ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي مطبعة الرابطة، بغداد 1954 ص 41.

7 ـ الفيروز آبادي المجلد الثالث المطبعة الحسينية، القاهرة 1344 هـ ص 264.

8 ـ أنظر الهاشمي المصدر السابق ص 479.

9 ـ تقرير لجنة عصبة الأمم، مطبعة الحكومة، بغداد 1924 ص 11.

10 ـ فاضل حسين، مشكلة الموصل، مطبعة أشبيلية 1977 ص 78.

11 ـ أنظر جزا توفيق طالب، سكان إقليم كوردستان، رسالة ماجستير جامعة صلاح الدين ص16.

12 ـ خليل إسماعيل محمد مرتفعات حمرين دراسة في جغرافية الحدود، مجلة دهوك العدد 3، مطبعة خبات 1999 ص 473.

13 ـ تقرير لجنة عصبة الأمم، المصدر السابق ص 109.

14 ـ أنظر جزا توفيق طالب، المصدر السابق ص 19.

15 ـ للتفاصيل راجع كوردن هستد، الأسس الطبيعية لجغرافية العراق، ترجمة جاسم محمد الخلف، المصدر السابق، بغداد 1948 ص 24. وأيضاً جاسم محمد الخلف المصدر السابق ص37 وكذلك محمد حامد الطائي، تحديد أقسام سطح العراق، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية عام 1969، بغداد ص 32.

16 ـ الهاشمي المصدر السابق ص 175.

17 ـ أنظر جاسم محمد الخلف، المصدر السابق ص 127 ـ 128.

18 ـ أنظر شاكر خصباك العراق الشمالي، مطبعة شفيق، بغداد 1973 ص 7 و 38.

19 ـ جاسم محمد الخلف، المصدر السابق ص 41.

20 ـ طه الهاشمي، المصدر السابق ص 18.

21 ـ فاضل الأنصاري، مشكلة السكان، مطبعة وزارة الثقافة، دمشق 1980 ص 6 ـ 7.

22 ـ ليسترنج بلدان الخلافة الشرقية، المصدر السابق ص 221.

23 ـ جاسم محمد الخلف، المصدر السابق، ص 439.

24 ـ  وزارة التخطيط تحديد المناطق التخطيطية في العراق، دراسة رقم (155) بغداد 1984 ص 26 .

25 ـ تقرير عصبة الأمم، المصدر السابق.

26 ـ أنظر وزارة التخطيط، المصدر السابق، ص 32 و37.

27 ـ شاكر خصباك، المصدر السابق ص 5.

28 ـ خليل إسماعيل محمد، البعد القومي للتغيرات في الحدود الإدارية لمحافظة كركوك، مطبعة وزارة الثقافة، أربيل1997، ص 11.

 

كركوك:

رحلة في ذاكرة التاريخ

(ريبورتاج)

 

أنا من مواليد محلة زيويه في محافظة كركوك. في أعوام الحرب الدائرة 1974 ـ 1975 بين الحركة التحررية الكوردية من جهة والنظام الحاكم في بغداد من جهة أخرى، كنت حينذاك من تلاميذ الصف الثاني الابتدائي.

في إحدى المدارس الكوردية في كركوك، تلك الأيام العالقة في ذاكرتي ولا تريد أن تبرحها ما حييت، كانت أولى حالات الوعي المبكرة لي لما أصابت مدينتي الثكلى لأبشع الممارسات اللاإنسانية لتغيير الواقع الديموغرافي وتعريب هذه المدينة الكوردية كركوك.

في تلك الأيام نفسها شاهدت عن قرب تهجير إحدى العائلات الكوردية (غير مرغوب بها) من حارتنا إلى جنوب العراق، لتحل محلّها عائلة عربية لا أدري من أين جاءت.

بإحساسنا الطفولي كنا نشعر بأنها حالة شاذة وغير طبيعية، لكننا لم نكن ندرك أبعاد تلك السياسة البشعة ونحن في تلك السن، في الوقت ذاته كنا نلمح علامات القهر والحزن على محيا الكبار من النساء والرجال لما يجري، ونلمس بشغف عبء ما تخلفه تلك الإجراءات على أولياء أمورنا من خلال ردة الفعل لديهم، ومناقشاتهم الساخنة في الليالي الطوال. بالطبع لم نكن نفهم فحواها والتي كانت تنضح بالمرارة.

لكن مع تقدم العمر واستئثارنا الانتماء لقضية أمتنا الكوردية، أستطيع القول بأني وصلت إلى فك رموز تلك التعابير والخطوط القاسية على وجوه شيوخ ومثقفي وكبار حارتنا، وأدرك الآن وبكل ما تعنيه الكلمة من الفهم ما معنى أن تقتلع من جذورك وتُكره على العيش في مكان آخر، حتى لو كان ذلك بقعة أخرى من وطنك، فكيف الأمر لأولئك الأوائل الذين أجبروا على العيش في وسط وجنوب العراق، في بيئة مختلفة عن بيئتهم الأصلية؟ّ! والأنكى من ذلك هو أن تُعطى أرضك ودارك مجاناً إلى شخص آخر، لا لشيء، فقط لأنه يمتلك موهبة الارتزاق، وسيكون السيف المسلط على رؤوس أبناء البلد لتكتمل بها ما خَططت له عقول لا تعرف من قوانين الحياة سوى الاستيلاء على أراضي الغير وضمها عنوة لِمن ليس له الحق بامتلاكها.

بهذه العبارات افتتح "سيروان رحيم" معد البرنامج الوثائقي لسياسة التعريب لمدينة كركوك.

وطرح السؤال الأول على عدة شخصيات سياسية وأكاديمية كوردية وعربية لإلقاء الضوء على تاريخ مدينة كركوك والمراحل الهامة التي مرت بها تاريخياً، وأبعاد سياسة التعريب المقيتة التي مارستها جميع الأنظمة العراقية المتعاقبة على حكم العراق سواء في العهد الملكي أم لاحقاً في العهد الجمهوري.

 

الأستاذ نوشيران مصطفى: *

قبل كل شيء أود أن أنوه بأنه لا غبار على كوردية مدينة كركوك، فهي ضمن جغرافية كوردستان على مر التاريخ. وفي العهد العثماني كانت كركوك مركز ولاية شهرزور، وكان مقر الوالي العثماني على الدوام هو كركوك، إلى حين فترة الإصلاحات والتغييرات الإدارية. وبغض النظر عن هذا، ومن الناحية التاريخية نرى بأن العشائر الكوردية تحيط المدينة من كل الجهات كعشيرة جباري، زه نكنة، كاكه يي، جاف، طالباني، داوده، شيخ بزيني، هموند، شوان، وغيرها كثيرة. وقبل البدء بسياسة التعريب، فإن المناطق كانت تحمل الأسماء الكوردية، بما فيها الوديان والتلال وباقي معالم المدينة، وتحيطها القرى الكوردية من كل حدب وصوب.

وكركوك كانت صغيرة نسبياً قبل اكتشاف النفط وإنشاء شركة النفط فيها.

ولو أخذنا كتاب الأستاذ حنا بطاطو القيم، نرى وباعتماده على المعلومات التي حصل عليها من وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بأن جميع الآبار النفطية التي اكتشفت تقع في أراضي أصحابها من الكورد، فمثلاً حقل بابا كركر النفطي، هو ملك عائلة كوردية معروفة، هو السيد أحمد الخانقا(1).

وتوجد في كركوك أقلية تركمانية وعدد قليل جداً من العرب. بدأ مجيء العرب إلى كركوك مع اكتشاف النفط فيها، وحتى قضاء الحويجة الحالي لم يكن فيه عرب قبل الثلاثينات من القرن العشرين، بل كانت منطقة رعي للعشائر الكوردية، يأتون إليها في مواسم معينة.

ومع اكتشاف النفط في كركوك في العام 1927م، بدأت سياسة تعريب كركوك من قبل القوميين العرب وبمساعدة الإنكليز، تستطيع القول بأن التعريب الفعلي لمدينة كركوك بدأت في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن العشرين، لكن سياسة التعريب في العهد الملكي لم تكن بهذه الصورة البشعة التي طبقتها أنظمة الحكم العراقي فيما بعد. فمثلاً، وفي عهد نوري السعيد عندما كان يُكتشف بئر نفط في مكان ما من كركوك، كانوا يوظفون صاحب تلك الأرض كحارس مثلاً، مقابل راتب شهري، وفي الوقت ذاته كان صاحب تلك الأرض يستطيع البقاء في تلك الربوع لممارسة أعماله وحياته الاجتماعية بصورة طبيعية .

الدكتور نوري طالباني: *

قبل الولوج في الحديث عن وضع منطقة كركوك، أود إلقاء الضوء على هذه المنطقة بوصفها جزءاً من ولاية الموصل. إن سبب إلحاق الولاية العثمانية من قبل البريطانيين بالعراق العربي الذي أستحدث بعد الحرب العالمية الأولى، هو وجود النفط في منطقة كركوك التي كانت تشكل جزءاً هاماً من هذه الولاية.

نصت اتفاقية سايكس ـ بيكو المبرمة سراً بين بريطانيا وفرنسا عام 1916، على إعطاء ولايتيْ بغداد والبصرة إلى بريطانيا وعلى أن تكون ولاية الموصل من حصة فرنسا. إن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن هاتين القوتين العظمتين آنئذ لم تنظرا للعراق بوضعه السياسي الحالي كوحدة جغرافية موحدة، وإلا لكانت الولايات الثلاث التي شكلت منها فيما بعد الدولة العراقية، قد أصبحت من حصة إحدى هاتين الدولتين. وقد أشرت لهذه الحقيقة في مؤتمر نظم في واشنطن في تشرين الثاني عام 1999 حول الجانب القانوني للقضية الكوردية. إن العراق بكيانه الحالي لم يظهر للوجود إلا بعد الحرب العالمية الأولى وبمساعدة الإنكليز الذين جعلوها تحت انتدابهم المباشر. إن العراق التاريخي المعروف في المصادر الإسلامية بالعراق العربي لتمييزه عن العراق العجمي، كانت حدوده الشمالية لا تتجاوز تكريت. وقد تم إلحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية الحديثة لوجود النفط بغزارة في هذه الولاية في كركوك، وبهدف إيصال هذا النفط عبر الأراضي العراقية إلى الموانئ الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وفي احتفال رسمي في عام 1935 م، تم افتتاح خط أنابيب النفط التي توصل نفط كركوك إلى كل من حيفا وطرابلس على شواطئ البحر المتوسط. هذه المقدمة ضرورية لبيان أسباب إلحاق ولاية الموصل بهذه الدولة الحديثة.

أما سياسة التعريب في هذه المنطقة، فقد بوشر بتنفيذها في العهد الملكي، وساهمت شركة نفط العراق التي كانت في كركوك في تغيير الواقع القومي للمدينة، فقد استخدمت هذه الشركة البريطانية أعداداً كبيرة من المستخدمين والعمال الذين تم جلب معظمهم من خارج لواء محافظة كركوك، بينهم الآشوريون والأرمن والعرب، فاستوطنوا المدينة مع أسرهم وعائلاتهم، وتشكلت أحياء خاصة بهم داخل الأحياء القريبة من منشآت شركة النفط. تم استقدام الآشوريين من بعقوبة التي كانوا قد استقروا فيها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بمساعدة الجيش البريطاني، بعد نزوحهم من إيران خلال تلك الحرب.

وساهم إنشاء مشروع ري الحويجة في توطين عدد من العشائر العربية الرحالة، كعشائر العبيد والجبور وغيرهما في سهل الحويجة، بعد إكمال مشروع الري عن طريق جلب المياه للسهل المذكور من نهر الزاب الصغير، وأول من خطط لهذا المشروع هو ياسين الهاشمي الذي كان رئيساً للوزراء عام 1935، وأعلنت الحكومة أنها بصدد بناء هذا المشروع لتوطين العشائر الرحالة. لذلك اقترح بعض الإداريين الكورد في لواء كركوك، خاصة المرحوم حامد بك جاف الذي كان يشغل منصب قائمقام جم جمال، أن يتم إسكان جزء من عشيرة جاف الرحالة الكوردية والتي كانت موجودة في قضاء كفري ومنطقة كلار في فصل الشتاء، في قسم من سهل الحويجة. لم تستجب الحكومة العراقية لاقتراحه، بل بادرت بنقله إلى قضاء آخر بعيد عن كركوك، فاضطر إلى تقديم استقالته من الوظيفة والرجوع إلى مسقط رأسه في حلبجة.     

 

حسين غلام:*

أود الإشارة إلى إحدى الوثائق المهمة من وثائق شركة نفط العراقIPC التي تخص حفر البئر الأول في حقل بابا كركر النفطي عام 1927، لقد انفجر البئر بغزارة مما أدى إلى وفاة مهندس إنكليزي وبعض العمال