دراسات

ثقافة كردية

Home

الارشيف

 

 

 

كركوك

رحلة في ذاكرة التاريخ

 

 

الاعداد والترجمة                            المراجعة والتقديم

عوني الداوودي                            دكتور نوري طالباني

 

 

 

كركوك، رحلة في ذاكرة التاريخ

عوني الداوودي

الطبعة الأولى: 2002

عدد النسخ: 500 نسخة

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

صورة الغلاف: قلعة كركوك

مطبعة نينا ـ أوبسالا

رقم الايداع: 6-3010-631-91

 

 

بدلاً من المقدمة

 

لا يعرف طعم  مرارة الإبْعاد عن الوطن، إلا من تذوق الكأس التي اجترعها المنفي عن وطنه،  ومن أجل أن يبقى الوطن في داخله، يمده بالقوة، حمل الإنسان الكوردي إرثه الموغل في القدم معه إلى منفاه.

قُيَد الكوردي في وطنه بقيود أدمت قلبه وروحه، واقتلع من جذوره التاريخية، ومن لم تطله مخالبُ الحقد العنصري، وجد نفسه مشرداً يطرق أبواب منافي العالم؛ ومثلما سلبت حياة المنفى الكثير من القيم والمثل التي يعتز بها المنفي عن وطنه الأم، أعطت الغربة لآخرين الحصانة والقوة في مواجهة الانصهار، ولعبت المنفى في روحه الانتصار لقضيته.

فمن هم هؤلاء؟ هم أولئك الذين يتحسسون أوجاع بلادهم. بينما كان الحكام في الوطن يخلقون الموت يومياً ويبتكرون أساليبه بدمٍ باردٍ وروح سادية. لقد أضحت الغربة تمد الروح بالطاقة، لتبدع وتبتكر الوسائل المستنبطة من إرثه العريق،  ضد من استطاع أن يحرمه من بيته وعطر أرواح الآباء والأجداد التي ترفرف في زوايا البيت، المكان الأول الذي تربى فيه، وأكرهه على اختيار حياة المنفى.  

فالرهان الذي راهنت عليه تلك الأنظمة الاستبدادية، لم يستطع أن يهزم هذا الإنسان المتشبث بأرضه وتاريخه وثقافته.

كان الكوردي في وطنه أمام خيارين، كلاهما مرٌّ: إما الموت وإما المسخ ، لتصادر روحه وإرادته. حاول عتاة القوميين من فقهاء السلطان أن يمارسوا على الكوردي عمليات المسخ هذه واستكثروا عليه حق العيش حيث ولد وترعرع، ورضع حب البيت الذي هو من حب الوطن، فكان المنفى بانتظاره، ومن المنفى جاء هذا العمل لينفض الغبار على الحقائق التاريخية والاثباتات التي تدحض الأكاذيب التي روجتها الحكومات للاستيلاء والاحتفاظ بأراضي الغير.

قبل أيام من كتابة هذه الأسطر التقيت بأحد أبناء مدينتي كركوك، الذي ترك المدينة منذ سنتين فقط ليحط الرحال في السويد، وسألته عن أحوال الناس هناك، عن الحارات العتيقة في المدينة، عن الشارع الرئيسي في كركوك ـ شارع الجمهورية ـ حيث المحلات الفاخرة، محلات الألبسة الأنيقة ومحلات بيع المرطبات والعصير وما شابه ذلك، والصيدليات وعيادات الأطباء. إن كنت في حاجة للقاء أحد الأصدقاء أو المعارف كنت تجده في ذلك الشارع، وما أن تخطو خطواتك الأولى فيه حتى ينهال عليك السلام من كل حدب وصوب، وأنت تفعل الشيء نفسه، وجوه تعرفها، أيادٍ تصافحك بحرارة وشوق تسأل عنهم ويبادلونك السؤال. يختلس العشاق النظرات إلى بعضهم البعض، يتبادلون التحيات بابتسامة، وكثيراً ما تبادل المحبان الرسائل في زحمة الناس، دون أن يلتفت إليهم أحد المارة، كنا نمر بمكتبة ـ آسو ـ  لصاحبه الأخ جبار، ليناولك الكتاب الذي كان قد أحضره لك دون أن يشعر أحد بذلك أو مجلة الثقافة أو يجاملك بقلم (جاف باركر) بسعره الأصلي الذي لم تكن تحصل عليه في الأسواق، ولم نكن ننسى أن نعرج على مكتبة كه ل ـ الشعب ـ لصاحبه الأخ صلاح. سألت المنفي الجديد عن كل ذلك، ابتسم بحياء كمن لا يريدني أن أفاجأ، وجاءني جوابه الأليم صاعقاً، كما صُعِقَ كلكامش من جواب صديقه أنكيدو، يخبره بعدم خلود الإنسان.

قال لي ونظرات الشفقة تحوم من حول عينيه نحوي: "إن الشارع الذي تتكلم عنه هو الآن ليس بذلك الشارع الذي تعشقه، بات غريباً على القلة المتبقية من أبناء المدينة، تقطع الشارع عصراً من أوله إلى آخره لا تصادف فيه أي شخص تعرفه، ولا هناك من يرجو لقاءك، لا أحد يسلم عليك ولا أنت بحاجة لأن تسلم على أحد لأن الجميع غرباء ولا تعرفهم، وجوه غريبة، قامات تتدلى منها المسدسات، يرتدي معظمهم الملابس الخاكية والبنية، وجوه تقول لك ها نحن هنا، اخرج وإلا سيكون مصيرك مصير من سبقوك". فكان الصمت من جانبي أبلغ الكلام لأعبر في اللحظة ذاتها عن حزني وألمي، ولأدرك أكثر وأكثر بأن المعركة لم تكن متكافئة، لأنفجر بعد رجوعي إلى البيت باكياً، وأتساءل في قرارة نفسي مرة تلو الأخرى، أيمكن أن تموت كركوك أمام أعين أبنائها ؟ وعشرات الأسئلة بدأت تتراقص أمامي، لهذا الصمت العربي، ولهذا السكون الذي يلف هذه الجريمة البشعة المكشوفة. أما الجاني، فيمشي متبختراً على أشلائنا باسم العروبة.

" ونقول بعد الآن

تحيا العروبة

مري إذن في أرض كوردستان

مري يا عروبة "*

ولا يزال السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمامي: هل انتهت المعركة؟ أم أن الفصول القادمة هي الكفيلة بإحقاق الحق، واسترجاع الأرض والتاريخ والذكريات؟.

لقد جاء هذا الكتاب عبارة عن ترجمة وإعداد لمداخلات هامة لشخصيات أكاديمية وسياسية، كوردية وعربية وتركمانية معروفة، في البرنامج الوثائقي الذي أعده الأخ سيروان رحيم، حول تغيير الواقع الديمغرافي لمدينة  كركوك في خمس حلقات، والتي بثتها محطة التلفزيون الكوردية Medya التي تبث برامجها من بلجيكا.

أرجو أن أكون قد وفقت في ترجمة واعداد هذا العمل، الذي إن كان  يحتاج الشكر عليه، فهو للأخ سيروان، وللعاملين معه لإعداد البرنامج، ولكل الشخصيات الذين أدلوا بدلوهم لاظهار الحقائق التي لفها النسيان  لذوي الذاكرة الضعيفة، ورداً على  فقهاء الحكومات الذين  زوروا تاريخ الشعوب وشوّهوا الحقائق عمداً، حتى بات الأمر وكأن هذا الواقع المر الذي نعيشه هو الحقيقة المطلقة، واقدم اعتذاري للشخصيات التي لم أتناول مداخلاتهم، وذلك بسبب أن يخرج العمل، ليتلاءم مع الغاية المنشودة.

أخيراً، أود الإشارة بأني كتبت كلمتيّ كورد وكوردستان في هذا العمل حسب الإملاء الكوردي.  

 

  عوني الداوودي 

 15 ـ 2 ـ 2001 

 


 

انصفوا شعباَ ناصركم دوماً،

وهو يتعرض اليوم للإبادة

 

الدكتور نوري طالباني            

 

وصف باحث عراقي في تقديمه لكتاب عن كركوك نشر في بغداد عام 1947 "إنها عروس كوردستان"(1). ويعني ذلك بالنسبة لنا أنها كانت وستظل تبقى مدينة التآخي القومي بين الكورد والتركمان والآشوريين والعرب الذين يعيشون فيها بوئام، قبل أن تمتد إليها أيادي العنصرية البغيضة وتبعث فيها فساداً وتدميراً. نعم، كانت كركوك كوردستانية حتى قبل أن تكون عاصمة لولاية شهرزور في العهد العثماني. دّون لنا هذه الحقيقة شاعر كركوك الخالد الذي نظم الشعر باللغات الكوردية والتركية والفارسية والعربية منذ أكثر من قرن، يقول الشيخ رضا طالباني في بيت شعر له باللغة التركية:

"موصل أولده ولايت، نافع أفندي والي

ويل لكم رعية، كول باشوه أهالي".(2) 

بمعنى أن الموصل أصبحت مركزاً للولاية "بعد كركوك" وأصبح "نافع أفندي" والياً عليها، وكان يعرفه شاعرنا الكبير عندما كان والياً في كركوك، وكان معروفاً بالقساوة والفساد، ثم يخاطب أهالي ولاية شهرزور محذراً إياهم من الوضع الذي آلت إليه أحوالهم ويقول:

 "ويل لكم فقد ُطمرت رؤوسكم بالطين جراء ذلك".

وكان شمس الدين سامي مؤلف الموسوعة العثمانية المشهورة (قاموس الإعلام) قد ذكر في مؤلفه المنشور عام 1898، ولدى تطرقه لكركوك: "إنها تقع ضمن ولاية الموصل التابعة لكوردستان وعلى بعد 160كم من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل، وهي مركز آيالة (سنجاق)  شهرزور ولها من النفوس 30000 ألف نسمة، وفيها قلعة و36 جامعاً ومسجداً و7 مدارس و15 تكية وزاوية و12 خاناً و1282 دكاناً و8 حمامات"(3) وعند إشارته للحالة الأثنية في المدينة ذكر: "إن ثلاثة أرباع الأهالي هم من الكورد والبقية من الترك والعرب وغيرهم، ويقيم في المدينة أيضاً 760 يهودياً و460 كلدانياً".(4)

كانت كركوك، أو بالأحرى نفطها، سبباً أساسياً لالحاق ولاية الموصل العثمانية بالدولة العراقية الحديثة التي استحدثتها وزارة المستعمرات البريطانية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وأقرّ بعض الكتاب العرب هذه الحقيقة وكتبوا بوضوح أنه لولا الجهود التي بذلها الإنكليز لما أصبحت ولاية الموصل جزءاً من العراق. هذا ما كتبه المرحوم عبد الرحمن البزاز قبل قرابة نصف قرن من الزمان، وهذا ما يردده الآن بعض الكتاب المعاصرين في قولهم كان للإنكليز مصالح في العراق، وكان للعراقيين مصالح عند الإنكليز". تركزت المصالح الإنكليزية بوجه خاص في نفط كركوك حيث أدركوا أنه لا يمكن إيصاله إلى الغرب إلا عبر أراضي الدولة العراقية التي أنشأوها عام 1921، فألحقوا ولاية الموصل بها عام 1926 لذلك تم مدّ خطين لأنابيب النفط من كركوك إلى مينائي حيفا وطرابلس على شواطئ البحر المتوسط عام 1935، ليتم عبرهما شحن نفط كركوك إلى أوربا وأمريكا. أما مصالح الطبقة الحاكمة العراقية التي فرضها الإنكليز على الشعب العراقي، فكانت تتمثل في هيمنتها على هذا الكيان العراقي الجديد واستنزاف ثروات كوردستان من النفط وغيرها "من أجل إقامة نهضة سياسية وثقافية وعمرانية واقتصادية وتعليمية"(5). أما الحكام الذين تسلطوا على رقاب الشعب العراقي، وخاصة منذ بداية الستينات، فقد انهمكوا باستخدام موارد هذه الثروة البترولية الهائلة في تدمير كوردستان وحرق قراها وقصباتها وطرد أبنائها من مدنهم، ثم جلب آلاف الأسر العربية من وسط وجنوب العراق لاستيطانهم فيها. إن ما يقوم به النظام العراقي في منطقة كركوك وفي مناطق أخرى من كوردستان لا تزال خاضعة لسيطرته وهيمنته، لا يختلف في شيء عن تلك الممارسات التي لجأت إليها ولا تزال السلطة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأود أن أخاطب ضحايا الاضطهاد الإسرائيلي في فلسطين، إن من يُمارس هذه الجرائم البشعة بحق الشعب الكوردي، لا يمكن أن يكون حليفاً لكم ولا نصيراً لقضيتكم العادلة، فقد فاقت جرائم النظام العراقي في كوردستان العراق جرائم حكام إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ أباد خلال فترة قصيرة 779 قرية كوردية عامرة في منطقة كركوك وحدها، بما فيها من مساجد ومدارس ومراكز صحية بسيطة، وهذا النظام لا يزال مستمراً في طرد الكورد والتركمان من ديارهم ويجبرهم على تغيير هويتهم وقوميتهم إلى العربية فيما لو أرادوا البقاء، ولو في مكان بعيد في جنوب العراق.

لقد ناصر الكورد دوماً قضايا العرب في فلسطين وفي البلدان العربية الأخرى عندما كانت شعوبها تناضل من أجل حريتها واستقلالها، فمتى يناصر المثقفون العرب الكورد في نضالهم من أجل البقاء في ديارهم التي عاشوا فيها منذ قرون وقرون، لتظل راية الاخاء العربي ــ الكوردي خفاقة

ولا تتعرض للانتكاس؟ إذ بسكوتهم عن ادانة سياسة التعريب في كوردستان، بضمنها منطقة كركوك الخاضعة لسلطة النظام العراقي، يساهمون في إنهاء هذه العلاقة التاريخية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1-      عبد المجيد فهمي حسن، دليل مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك، تقديم محمد عباس الصالح، مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص هـ .

2-      ذكر هذا البيت الكاتب التركماني المحامي عطا ترزي باشي في كتابه باللغة التركمانية، كركوك شاعرلر ج22 ص144.

3-      شمس الدين سامي، قاموس الإعلام (اللغة التركية العثمانية) مطبعة مهران، استانبول1315هـ 1898 م راجع أيضاً مؤلفنا، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، الطبعة الثانية، لندن 1999 ص22.

4-       شمس الدين سامي، المصدر السابق.  

5-       مصطفى محمد، العراق بين حنين الماضي ولغة الحاضر، جريدة (المؤتمر) العدد 246 في 19 آذار2001.

  

 

 

 

 

كركوك وسياسة التعريب

 

عوني الداوودي

 

 تعتبر كركوك واحدة من المدن القديمة التي أنشئت خلال فترة ازدهار حضارة وادي الرافدين ـ بيث نهرين ـ حيث يعود تاريخها إلى العصور الغابرة وتشهد قلعتها المنتصبة على الجانب الشرقي من نهر " خاصة " داخل المدينة على ذلك، وتشير الدلائل التاريخية بأن الكوتيين على الأرجح هم الذين وضعوا اللبنات الأولى لبناء هذه المدينة، حيث أثبتت الحفريات الأريكولوجية بأنه كانت هناك مدينة تعرف بـ "آربخا أو أرنجا أو آرفا"، وتؤكد هذه الحقيقة دائرة المعارف الإسلامية حيث وردت فيه حول مدينة كركوك. أن كل من " S . H . Gadd جاد " وسدني سميث " Sidney Smith " يعتقدان بأن كركوك الحالية هي نفس المدينة التي كانت تعرف بـ "آربخا".

يذكر العلامة توفيق وهبي، بأن: "كركوك مدينة قديمة، وهي أقدم ذكراً في المسمارية من مدينة أربيل، وأقدم ما لدينا من المعلومات الخاصة بكركوك، هو ما جاء في التقويم الجغرافي المشهور، عن ممتلكات " سرجون " " سركون " الأكدي (2530 ـ 2473 ق. م تقريباً) ففي التقويم المذكور نجد

اسم بلاد "أربخ" بين أسماء أخرى كـ "الآشورية، اللولوبي، الكوتيوم، والأكد .... إلخ. وقد شخصت أربخ بمدينة كركوك"(1) .

وجاءت التسمية نفسها "آربخا لمدينة كركوك في كتاب "فاتحة انتشار المسيحية في إمبراطورية الإيرانيين (ميسوبوتاميا) 100 ـ 537 "(2) .

وجاء في العراق قديماً وحديثاً، للمؤرخ عبد الرزاق الحسني، بأن "سردنابال" ملك الآشوريين هو الذي أنشأ هذه المدينة مستنداً إلى بعض المصادر السريانية. في حين يذهب الدكتور شاكر خصباك في كتابه "الكورد والمسالة الكوردية" إلى أن الكوتيين هم الذين شيدوا هذه المدينة، وجاء أيضاً في كتاب " لمحات تاريخية" لليلى نامق بأن الكوتيين عاشوا في هذه المدينة واتخذوا من مدينة " آربخا " مركزاً لهم (3) .

ومن خلال تتبعنا لمنشأ وتطور المدينة "آربخا" نصل إلى تأييد القول الذي يؤيد تشييدها من قبل الكوتيين.

حيث سجل "تكلت ـ نزت" الأول، الملك الآشوري (1255 ـ 1218 ق.م) أنه فتح بلاد " أربخ"، وكان أول ملك آشوري استولى عليها.  ثم وقعت بعد ذلك بيد الملك العيلامي "شهلك ـ أنشنك" (1165 ـ 1151) (4).

تجد في مدونات التاريخ هنا وهناك من يقول بأن السومريون أطلقوا على كركوك إسم"كاركوك"، وهذه الكلمة هي في الأصل، كلمة مركبة من ـ كار ـ بمعنى العمل، و ـ كوك ـ بمعنى الشديد أو المنتظم، ويعني العمل المنتظم أو الشديد، وتجدر الاشارة بأن هاتين الكلمتين متادولتين في اللغة الكوردية إلى يومنا هذا. 

كانت كركوك جزءاً من الإمبراطورية الميدية التي تحالفت مع البابليين وأسقطوا الإمبراطورية الآشورية، وكانت تسمى عند الميديين بـ كي ره ك،  أمــا عـنـد السـاسـانيين فـكـانـت تـســمـى بــ كه رمه كان، أي البلاد الحارة. وفي المصادر السريانية، كانت كركوك  تسمى بــ بيث كرماي، ولما استطاع السلوقيون (نسبة إلى سلوقس أحد قواد الإسكندر) من بسط سيطرتهم على أجزاء من بلاد الرافدين، كانت كركوك واحدة من المدن التي احتلوها، فصارت شهرتها بعد ذلك بـ (مدينة سلوقس ) لكن الأستاذ كريم زند يذكر بأن المدينة كانت تسمى ( قلعة سلوقس)(5) .

وحسب المصادر الآرامية فإن كركوك كانت تسمى بـ (كرفا بيث سلوقس) أي (مدينة السلوقيين).

يذكر الأستاذ جرجيس فتح الله المحامي: "أثبتت الحفريات الاريكولوجية قطعاً بأنه كان في الألف الثاني قبل الميلاد، مدينة تعرف بـ (آرفا) أو (آرنجا) أو (أربخا)"(6).

وفي العهد الملكي عندما أنشيء حي جديد لعمال شركة النفط في كركوك، أطلقت بلدية كركوك إسم (آرفا) نسبة إلى ذلك الإسم التاريخي، على هذا الحي الجديد وتداولت إلى عرفة الحالية.

ذكر هيرودتس في حدود 450 قبل الميلاد، النار الأزلية التي تنبعث من جوف الأرض في المنطقة التي تعرف اليوم بكركوك، وكان السكان المحليون يحفرون بأدوات بدائية، ويستخرجون منها المادة التي تُعرف اليوم بالنفط للاستعمال المحلي. ويذكر التاريخ بأن نبوخذ نصر البابلي قد رمى بقسم من السبايا اليهود في تلك النار الازلية.

لكن العلامة توفيق وهبي يرى بأن إسم كركوك مشتق من (كه ره ك ــ القلعة). وهذا يدل على أن قلعة كركوك قديمة، قدم تاريخ المدينة.

لا يمكن التعويل على الإحصائيات التركية، وذلك للتزوير الفاضح والمكشوف، والأرقام الفلكية التي قدمتها لعدد نفوس الترك، فمثلاً ذكرت بأن هناك أكثر من ثلاثين ألف تركي في مدينة السليمانية بينما الحقائق التاريخية تذكر لنا بأنه لا يوجد هناك تركي واحد في مدينة السليمانية الكوردية الصرف(*)         


(*) للمزيد راجع البحث الموسوم- التنوع الاثني لسكان كركوك خلال قرن (1850-1958)- للدكتور جبار قادر

 

العزة في ديالى، ومن ثم جلب عشيرة الجبور الرحالة، وتوزيع الأراضي عليهم بعد انشاء مشروع ري الحويجة، وتعيين خبراء زراعيين لارشادهم وتعليمهم مهنة الزراعة، بهدف توطينهم نهائياً في تلك الربوع، لزيادة العنصر العربي في محافظة كركوك، وقد أعطت هذه السياسة ثمارها بعد سنين، بعدما نتأمل احصائية عام 1957م، الذي نرى بوضوح زيادة العنصر العربي على حساب الكورد. وحسب الاحصاء شكل الأكراد 48% بنقصان 3% قياساً بعام 1930م، حين كتابة المذكرتين التي ذكرتهما أعلاه، وزيادة نسبة العنصر العربي إلى 28,5%، وكانت نسبة التركمان 21,5%.

لم نلحظ سياسة مبرمجة لتعريب منطقة كركوك بعد ثورة 14 تموز، أي خلال فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم. لكن كركوك شهدت سياسة تفرقة واضحة بين سكان كركوك من الكورد والتركمان، خلال فترة قيادة ناظم الطبقجلي للفرقة الثانية في كركوك، وكانت هذه السياسة المنحازة كلياً للتركمان واضحة من خلال التقارير والرسائل التي كان يرسلها قائد الفرقة الثانية إلى وزارة الدفاع، وإلى مديرية الاستخبارات العسكرية، وإلى رئاسة أركان الجيش، متهماً الكورد بالانفصال. وفي اعتقادي أن تلك التقارير غير صحيحة، ولعبت دوراً غير قليل لدق الإسفين بين قيادة الحركة التحررية الكوردية والزعيم عبد الكريم قاسم.

أما المرحلة الثانية لتعريب كركوك، فقد بدأت مع استلام البعثيين الحكم بعد انقلاب شباط عام 1963م، لكن سياسة التعريب هذه المرة أخذت شكلاً أكثر خطورة من سابقتها، وذلك بترحيل وتهجير سكان القرى الكوردية في ضواحي المدينة، وبلغت القرى المدمرة والمرحّلة حوالي33 قرية كوردية، وفي المقابل تم توزيع وتمليك تلك الأراضي إلى العشائر العربية، وتسليحهم وانشاء الربايا العسكرية على المرتفعات القريبة من تلك المناطق بهدف حمايتهم " لا يسع المجال هنا لذكر أسماء جميع القرى، وممارسات انقلابيي شباط 1963م الشوفينية في كركوك مدار بحثنا" .

في ناوبردان حيث كانت الجولة الأولى من مفاوضات عام1970م، دار الحديث حول المنطقة التي سيشملها الحكم الذاتي وحدودها. فانبرى عبدالله سلوم السامرائي قائلاً إن كركوك عربية، فبادره بالقول الزعيم الوطني ملا مصطفى البرزاني، قائلاً: "من أنت لتقول كركوك عربية"، ونهض البارزاني وهمّ بالخروج، وهو يقول: "لا يضمني مجلس فيه هذا الشخص"، وتشبث به الحاضرون، ولم يعد إلا بعد اصراره على خروج السامرائي من قاعة الاجتماع، فتم له ذلك ثم جرت المصالحة، واتفق الجانبان على عدم الاعتراف بأي تواجد سكاني حصل في المناطق المذكورة بعد إحصاء 1957م السكاني العام، والقصد الأساس منه تحديد هوية كركوك دون ذكرها بالاسم (11).

أما بعد انقلاب 17 تموز 1968، فقد أخذت سياسة التعريب لمحافظة كركوك أبشع صورةٍ لها، وأكثرها خبثاً، حيث  بدأت السلطات بتغيير واقع المدينة القومي ذات الأغلبية الكوردية من عدة جوانب، وعلى مراحل حسب خطة مدروسة، وتم تنفيذها باتقان ـ ولم يسدل الستار بعد على فصول تلك السياسة ـ. 

إذا كان العثمانيون الأتراك، والصفويون الأذربيجانيين، قد شجعوا رعاياهم للهجرة والمكوث في ربوع تلك الديار. وإذا كانت الحكومات في العهد الملكي عمدت إلى توطين العشائر العربية الرحالة ـ الجبور، والعبيد ـ في سهل الحويجة. وإذ مارس انقلابيو شباط 1963م ترحيل وتهجير القرى المحيطة بالمدينة، فإن الانقلابيين الجدد في 17 تموز 1968م بدأوا بتطبيق سياستهم المبرمجة لتعريب كركوك، التي لم تشهد المنطقة لها مثيلاً على مر التاريخ، فتم أولاً نقل موظفي الأحوال المدنية وجيء بغيرهم، وقد زودوا بتعليمات معينة حول العبث بسجلات النفوس وتزويرها(12).  وتغيير الأسماء التاريخية للأحياء والمناطق إلى أسماء عربية، وترحيل السكان الأصليين للمدينة من الكورد، وجلب المواطنين العرب من وسط وجنوب العراق واسكانهم محلهم، وسلخ الأقضية ذات الأغلبية الكوردية من المحافظة والحاقها بمحافظات أخرى بعيدة عنها، وتهديم الأحياء الكوردية بحجة فتح شوارع جديدة، وبناء أحياء سكنية جديدة للوافدين: كما كان النظام يطلق عليهم، في قلب الأحياء الكوردية،  فمثلاً تم تدمير حوالي 2000 منزل يقطنها أكراد في حي الشورجة الكوردية الصرف، وتعويضهم بمبالغ رمزية لا تكاد تكفي حتى لشراء قطعة أرض سكنية أخرى، وإن استطاع أحدهم شراء قطعة أرض، فالأوامر الصادرة من أعلى السلطات كانت تمنع حصولهم على حق التمليك (الطابو) وعدم إعطاء تراخيص البناء من البلدية لهم، حسب القوانين المتبعة مع باقي أجزاء العراق.

وفي المقابل كان يمنح "عشرة آلاف دينار"* للعربي الذي ينقل سجل نفوسه من مسقط رأسه إلى كركوك مع قطعة أرض سكنية وتوظيفه في دوائر الدولة، وأغلبهم من أفراد شرطة الأمن والاستخبارات، وحصوله بشكل روتيني على القرض العقاري بفوائد رمزية من أجل البناء والسكن في كركوك، ناهيك عن الامتيازات التي يحصل عليها باعتباره مواطن درجة أولى.  وسمي هؤلاء من قبل سكان كركوك بـ جماعة العشرة آلاف.

وفعلاً تم بناء دور وأحياء جديدة في قلب الأحياء الكوردية مثل: حي رحيم آواه، الذي غير إسمه إلى حي الأندلس، إسكان ، إلى حي المثنى، وشورجة  أيضاً إلى حي قتيبة، وفي الأحياء الكوردية الأخرى مثل إسكان، إمام قاسم، وفي ساحة الطيران، وغيرها، وتمليكها للمستوطنين. 

 بلغت الدور السكنية التي شيدت للوافدين من وسط وجنوب العراق حوالي 51000 ألف دار وقطعة أرض سكنية لغاية بداية الثمانينيات، وزعت على المناطق الكوردية داخل المدينة وضواحيها وبأسماء عربية مثل حي المثنى، البعث، الواسطي، الاشتراكية، غرناطة، الحجاج، الحرية، العروبة، دور الأمن، حي قتيبة، حي الشرطة، ودور العمل الشعبي، وأخرى كثيرة غيرها.

وخلال عشرين سنة فقط ما بين احصائية 1957م، وحصائية 1977م، حصل تغيير كبير لواقع السكان، وبموجب احصاء عام 1977م، يتبين لنا التغيير الذي حصل، فقفز عدد العرب من 28,5% إلى 44,4% وتناقص عدد الكورد إلى 37,33% وكذلك للتركمان، وبلغت نسبتهم 16,31%. 

كل هذا كان يجري متزامناً مع ترحيل وتهجير القرى المحيطة بالمدينة تحت ذريعة ملاحقة (العصاة) البيشمركة. ومن أجل اكمال ما خطط لتغيير الواقع القومي لمحافظة كركوك بدأت المرحلة التالية: وهي تتمثل بعملية  تقطيع أوصال المدينة ، وسلخ الأقضية الكوردية الملحقة إدارياً بكركوك تاريخياً، والحاقها بمحافظات بعيدة عنها، مثلما حدث لقضاء طوز خورماتو التي تبعد عن كركوك حوالي 70كم، لتلحق بمحافظة تكريت التي تبعد عنها بحوالي130كم، كما سلخ أيضا من جسد محافظة كركوك قضاء جمجمال الكوردية الصرف لتلحق بمحافظة السليمانية، وقضاء كفري لتلحق بالسليمانية، وقضاء كلار إلى محافظة ديالى، وذلك من أجل تقليل نسبة الكورد في المحافظة، أما الأقضية الثلاث المتبقية، قضاء الحويجة، وآلتون كوبري، ومركز قضاء كركوك، كانت قد عربت منذ زمن بعيد. 

فقد نتجت عن هذه السياسة الشوفينية من ترحيل وتهجير العائلات الكوردية التي بلغت 37726عائلة ذهبت معظمها ضحايا مسالخ الأنفال السيئة الصيت، وأن حصيلة التدمير للقرى الكوردية بلغت779 قرية، 493 مدرسة،   598مسجداً،40 مستوصفاً (13)، هذا فقط إلى منتصف الثمانينيات.

 وبالرغم من الهزيمة النكراء التي ألحقت بالنظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية "حرب تحرير الكويت"، وخسائره البشرية والمادية التي لا تعد ولا تحصى، وشل مؤسسات الدولة، فقد استمر التعريب بعد ذلك، وبصورة أكثر شوفينية، فما بين الأعوام1991ــ 2000،  بلغت العائلات الكوردية المهجرة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الكوردية15735عائلة، بلغ عددهم 93419 إنساناً(14)، كما زار نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي، نائب القائد العام للقوات المسلحة عزت الدوري كركوك في 10 ـ 9 ـ 2000، وأكد على اجراء مسح نهائي لمحافظة كركوك للسكان غير العرب في لقائه محافظ كركوك الفريق صباح نوري علوان وتخييرهم بين تغيير قوميتهم إلى العربية أو الرحيل عن كركوك(15)، وهذا يؤكد بأن سياسة تعريب كركوك صادرة من أعلى الجهات في الدولة العراقية، وهي التي تتحمل المسؤولية مباشرة للتغيير الذي حصل ويحصل لمدينة كركوك، وهي تدخل ضمن سياسة التطهير العرقي، وهي جريمة دولية Interanationa Crime لا تسقط بمرور الزمان. والعمليات مستمرة إلى حد كتابة هذه الأسطر.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والهوامش:  

1ـ أصل أسم كركوك، بقلم العلامة الراحل توفيق وهبي . جريدة الاتحاد العدد 344 الجمعة 12ـ11ـ1999 السنة الثامنة. 

2ـ فاتحة انتشار المسيحية في إمبراطورية الايرانين (ميزوبوتاميا) 100-537 جي . ب . أسمونس أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاكن، نقله إلى العربية وعلق عليه جرجيس فتح الله المحامي.

3ـ كركوك العراقية حاضنة قوميات وثقافات متعددة . رؤوف محمد الأنصاري، باحث في العمارة الإسلامية . جريدة الحياة العدد 13356 السبت تشرين الأول (أكتوبر) 1999. 

4ـ توفيق وهبي ، مصدر سابق. 

5ـ كركوك في ذاكرة التاريخ ـ الثقافة الجديدة العدد 245 ـ كريم ز ه ند.

6ـ  زيارة للماضي القريب ـ جرجيس فتح الله المحامي.

7ـ نفس المصدر.

8ـ يذكر الدكتور نوري طالباني في الهامش (13) من كتابه الموسوم منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي: "تشير الإنسكلوبيديا التركي (باللغة التركية Turk Ansiklopedisi) المطبوعة في (أنقرة) عام 1972 ، في الجزء (20) منها، ص 495 ـ 499 إلى مهاجمة وتدمير تيمورلنك لمنطقة كركوك عام (803 هـ / 1403م) في عهد الإمارة الجلائرية الكردية وأن المنطقة وجميع القرى التابعة لها مع مدينة (طاووخ TAVUK) التي كانت مركزاً لها، قد دمرت تماماً في عهد أحمد جلايري الكردي . وتذكر أيضاً أن هذه الإمارة الكردية تشكلت في كركوك وحواليها عام 564 هـ من قبل (بابا أردلان) المنسوب إلى فخذ (مامولي MAMOLI ) التابع لعشيرة (كوران) الكردية.

9ـ كركوك نصف قرن من التتريك والتعريب ـ الدكتور جبار قادر ـ الاتحاد العدد 260

10ـ موسوعة الأعلام ـ شمس الدين سامي ـ بدأ العلامة التركي المذكور بتأليف موسوعته هذه من العام 1889م  إلى 1898م ، أما العام 1314 هـ ـ 1896 م فهي السنة التي ألف فيها الجزء الخامس من الموسوعة. (الفقرة المذكورة ترجمة سلام زندي عن التركية)

11ـ زيارة للماضي القريب، جرجيس فتح الله المحامي

12ـ نفس المصدر

13ـ منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي ـ  الدكتور نوري الطالباني .

سياسة التعريب

إن أولى محاولات تعريب كركوك بدأت في العهد الملكي، عندما بادرت وزارة ياسين الهاشمي لتوطين عشيرة العبيد وجلبهم من ديالى واسكانهم في سهل الحويجة بحجة نزاعهم مع عشيرة

2000 م.