
|
ثقافة كردية |
الارشيف |
|
التركيب الأثني لسكان كركوك خلال قرن (1850 – 1958)
الدكتور جبار قادر
تعرضت كركوك خلال تاريخها الطويل لغزو العديد من القوى والإمبراطوريات التي حاولت فرض هيمنتها على هذه المدينة والمناطق التابعة لها لوقوعها على الطريق الستراتيجي الذي كان يربط شواطئ البحرين المتوسط والأسود بالخليج وطريق الحرير الذاهب إلى أواسط آسيا والصين. وقد أقامت هذه القوى القلاع والمواقع العسكرية على طول هذا الطريق لحماية قوافلها التجارية وخطوط مواصلاتها العسكرية، ووضعت حاميات عسكرية فيها للدفاع عنها، والقيام بالحركات العسكرية ضد السكان الجبليين الذين كانوا يغيرون عليها وضد القوى المعادية لها، وقد أدركت هذه القوى ومنذ العصور القديمة الأهمية الاستراتيجية لكركوك وغيرها من القصبات الواقعة على هذا الطريق، وجرت محاولات عديدة من قبل الدول والإمبراطوريات المختلفة على إسكان رعاياها على طول هذا الخط وبخاصة خلال العصر الحديث، وقد نجم عن ذلك تنوعاً أثنياً لسكان كركوك والمدن والقصبات الواقعة على هذا الطريق. من المعروف أن كركوك في حدودها الحالية التاريخية والجغرافية المعروفة كانت عبر قرون جزءاً من الكيان الكوردي. فقد كانت خلال القرون الأخيرة جزءاً من إمارة أردلان الكوردية، وقد كلف السلطان مراد الثالث أمير الموكريين عام 1583 بادارة أيالة شهرزور التي كانت كركوك مركزاً لها، وكانت تتبعها أربيل ومنطقة السليمانية الحالية، ومنذ أواخر القرن السابع عشر أصبحت ضمن ممتلكات الامارة البابانية التي حلت محل أردلان في الكثير من الأصقاع التي تعرف اليوم بكوردستان العراق، وكانت الامارة البابانية تضم في عصرها الذهبي: قه لاجولان، كركوك، أربيل، كوي، رواندوز، حرير، بانه، كفري، قره ته به، مندلي، بدره، داوده، عسكر، شوان، جه مجه مال، قره داغ، حتى نهر ديالى، سردشت، مه ركه، بشده ر، ماوه ت، آلان، كه لاله، جوارتا، سويل، فينك، قزلجه، قه ره حسه ن، قصرشيرين، وزهاو. وقد بلغت الأمارة درجة من السعة دفعت بـ " لونكريك" أن يسميها بامبراطورية السليمانية(1). ولم تلاحظ حتى منتصف القرن التاسع عشر تأثيرات تذكر للعثمنة في كركوك وتوابعها رغم أنها أصبحت رسمياً ضمن ممتلكات الدولة العثمانية بموجب معاهدة "أماسيا" بين العثمانيين والصفويين عام 1555. أما القبائل التركمانية القزلباشية التي رافقت حملة الشاه عباس الصفوي عام 1623 ـ 1630 ثم حملات نادر شاه الأفشاري خاصة خلال 1743 ـ 1746 على كركوك وأربيل والموصل والتي تخلف بعضها واتخذت من بعض السهول القريبة من كركوك والموصل مراعي لحيواناتها، فكانت تعادي الدولة العثمانية وتناصر إيران التي كانت الانتماءات المذهبية والعرقية والاجتماعية توحدها مع هذه القبائل. ومع زوال آخر إمارة كوردية وهي الإمارة البابانية عام 1851 كنتيجة للسياسة الجديدة للباب العالي في كوردستان، إذ تخلت الدولة العثمانية عن سياستها التقليدية في كوردستان والتي كانت تتلخص بابقاء الأمور فيها بـأيدي الزعماء المحليين لقاء إعلان التبعية للسلطان وما يترتب على ذلك من ذكر اسمه في خطبة الجمعة وارسال المقاتلين للقتال إلى جانبه وارسال الهدايا والأموال سنوياً إلى البلاط العثماني، فقد تبنت سياسة جديدة تقوم على أساس بسط سيطرتها المباشرة على جميع الأقاليم الخاضعة لها. ولقد فتح سقوط إمارة بابان الآفاق أمام السيطرة المباشرة للدولة العثمانية في كركوك وغيرها، إلا أن نجاحات العثمانيين في عثمنة سكان كوردستان ومنها كركوك كانت لا تزال محدودة جداً حتى أواخر القرن التاسع عشر، إذ يبدو واضحاً من المصادر القليلة التي أشارت بصورة عابرة إلى التركيب القومي لسكان كركوك، أن الكورد كانوا لا يزالون يشكلون جمهرة سكانها الأصليين والأساسيين إلى جانب عدد آخر من العائلات المسيحية من الكلدان والأرمن وعدد آخر من اليهود (2). لا توفر المصادر التاريخية المتوفرة معلومات وافية عن التركيب القومي لسكان كركوك وغيرها من المدن والقصبات الواقعة على هذا الطريق خلال العصور التاريخية المختلفة، ولكننا ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نجد اشارات متفرقة في المصادر التاريخية إلى التكوين الأثني لسكان كركوك وغيرها، ومن الضروري أن نشير هنا إلى أنه لا يجب التعويل كثيراً على تلك الإشارات لأنها عبارة عن تخمينات لأناس لم يقضوا أحياناً سوى أيام معدودة في هذه المدينة أو غيرها من المدن الكوردية، بل لا يمكن أخذ الأرقام التي تعود إلى ما قبل إحصاء عام 1947 بجدية كبيرة لأنها تفتقر إلى الدقة والموضوعية، وتعاني الاحصائيات الرسمية إلى جانب شمولها على التشويه والتزييف فيما يتعلق بالتكوين الأثني للسكان من نواقص جدية؛ فقد ذكر مؤرخ الأدب الكوردي علاء الدين سجادي بهذا الخصوص بأن الحكومة العراقية طلبت في 19 ـ 11 ـ 1947من السكان البقاء في البيوت، وذلك لاجراء التعداد العام للسكان، ورغم أنه لم يخرج من البيت، لم يحضر أحد لتسجيله، ويتساءل: "إذا كان هذا هو حال العاصمة بغداد فكيف هي الحال في المناطق الأخرى وخاصة في الريف أو بالنسبة للقبائل الرحل يا ترى؟". ويؤكد بأنه عندما دقق في الأمر تبين له بأن أكثر من نصف مليون إنسان لم يسجلوا خلال تعداد عام 1947(3). ومع ذلك ولالقاء بعض الضوء على هذه المسألة الشائكة لا بد من الرجوع إلى بعض المصادر التي أشارت إلى عدد السكان وتركيبهم الأثني في كركوك ولو بصورة عابرة. إن من أقدم الاشارات في هذا المجال هو ما كتبه المهندس الروسي يوسيب (يوسف) جيرنيك الذي زار كركوك ضمن جولته العلمية خلال 1872 و 1873، لدراسة إمكانيات الملاحة النهرية في حوضي دجلة والفرات وروافدهما، ونشر نتائج رحلاته ودراساته فيما بعد في 1879 في المجلد السادس من نشرة القفقاس للجمعية الجغرافية الملكية الروسية. فقد قدر جيرنيك عدد سكان كركوك في ذلك الوقت بـ (12 ـ 15) ألف نسمة وأكد بأنه وباستثناء 40 عائلة أرمنية فأن باقي السكان هم من الكورد (4). يبدو لي أنه وإلى حين قيام جيرنيك بزيارته لم تكن المصادر تشير إلى الموظفين العثمانيين وأفراد الحامية العسكرية العثمانية المستقرة في كركوك كجزء من سكان المدينة، بل اعتبروا غرباء عن المنطقة وبخاصة في المراحل الأولى من الوجود العثماني في كركوك، وكانوا يعودون في أغلب الأحوال إلى البلدان التي جندوا منها بعد انتهاء فترات خدمتهم باستثناء أفراد معدودين يتخلفون في العودة إلى مواطنهم، ويتخذون من هذه المدينة أو تلك موطناً جديداً لهم لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. لذلك لم يشر المهندس الروسي المشار إليه أعلاه إلى وجود الترك أو التركمان في المدينة. كما يبدو بأنه اعتبر جميع المسيحيين من الأرمن بسبب عدم تمييزه بين الأرمن والكلدان ولمعرفة الروس بالأرمن في القفقاس أكثر من الكلدان والآثوريين وغيرهم. مع سقوط إمارة بابان وتكريس سيطرة الباب العالي المباشرة على كركوك والقصبات الأخرى الواقعة على الطريق الاستراتيجي المذكور أخذت مظاهر العثمنة تظهر وتترسخ في كركوك، فبعد عقدين فقط من زيارة جيرنيك حدث تغيير ملحوظ في التكوين الأثني لسكان كركوك لصالح الترك أو التركمان فقد ذكر شمس الدين سامي في المجلد الخامس من "قاموس الإعلام"، الذي يعتبر موسوعة تاريخية وجغرافية عثمانية مهمة في مادة كركوك بأنها: "مدينة تقع في ولاية الموصل بكوردستان، وتقع على بعد 160 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة الموصل، وسط تلول عديدة متحاذية على ضفاف وادي أدهم وهي مركز سنجق شهرزور، يبلغ عدد نفوسها 30 ألفاً، وثلاثة أرباع سكانها من الكورد والبقية من الترك والعرب وغيرهم، وهناك 760 إسرائيلي و460 كلداني"(5). تسارعت وتيرة هذه العملية خلال العقدين التاليين وبخاصة في عهد الاتحاديين الذي انتهجوا سياسة شوفينية بحق الشعوب غير التركية في الإمبراطورية العثمانية، وتتناقض الأرقام التي يذكرها الرحالة والكتاب الإنجليز إذ يذكر ميجرسون الذي بقي 16 يوماً فيها عام 1907 قضاها في إحدى خاناتها بوسط السوق الذي كانت تسوده اللغة التركية عن كركوك: "لا بد أن يكون عدد أهل المدينة 15 ألفاً على الأقل، إنها من المدن الكائنة على حدود كوردستان يتكلم أهلها ثلاث لغات، فالتركية والعربية والكوردية يتكلمها كل انسان، وتستخدم الأولى والأخيرة في الأسواق على اختلاف". ويؤكد (سون) على تواجد الكورد والترك والكلدان والسريان والتركمان والعرب واليهود والأرمن في المدينة وسيادة روح التسامح فيها وتمتع سكانها بحرية عظيمة وخلوّها من التعصب الديني والقومي، واعتبر اللغة التركية سائدة فيها إلى حد كبير، واعتبرها مشهورة بتركمانها وفواكهها ونفطها الخام (6). وقد ناقش محمد أمين زكي آراء سون موكداً بأن الأخير يشير في كتابه بأن عدد التركمان في المدينة 13 ألف يقابلهم 5 آلاف كوردي و5700 مسيحي وألف يهودي (7). اعتبر محمد أمين زكي رأي سون هذا غير صحيح على الإطلاق، وإن الذي دفع به للوقوع في هذا الخطأ هو اعتقاده إن كل من يتكلم التركية في كركوك هو تركماني. فكورد كركوك وكلدانها وغيرهم يعرفون التركية أيضاً ويتحدثون بها. وأكبر دليل على خطل هذا التصور برأيه الاحصاء الذي قامت به بلدية كركوك عام 1930 والذي بلغ عدد سكان المدينة بموجبه 35 ألفاً كان 22 ألفاً منهم من الكورد و7 آلاف من التركمان وألف من المسيحيين وألفين من التياريين مع 500 أرمني 2500 من اليهود. وكان سكان محلات إمام قاسم وآخي حسين وبولاق وآوجي وبيريادي من الكورد الذين كانوا يشكلون القسم الأكبر من سكان محلات جوقور والمصلى وجاي أيضاً (8). رغم الاتفاق مع محمد أمين زكي في مناقشته للآراء التي أدلى بها ميجرسون في نهاية العقد الأول من القرن العشرين، إلا أن سيادة اللغة التركية في وسط المدينة وسوقها الرئيسة بالصورة التي شاهدها ميجرسون وكونت لديه ذلك الانطباع، تشير إلى حقيقة أن السياسات العثمانية خلال أقل من نصف قرن في المدينة كجعلها مركزاً لحماية عسكرية تركية وفتح المدارس والدوائر الأخرى فضلاً عن إسكان الموظفين العثمانيين وعائلاتهم، أخذت تعطي ثمارها وأدت إلى عثمنة، بل وتتريك جزء من السكان المحليين وبخاصة أولئك الذين ارتبطت مصالحهم بالدولة العثمانية. فقد كتب أدمونز يقول: "بقيت كركوك بلدة هامة من الناحية العسكرية ووضعت فيها حامية دائمية، كما أنها كانت موطناً مهماً يمد الحكومة العثمانية بالموظفين المدنيين والجندرمة موضع الاعتماد، وإلى هذا تعود أسباب التشكيل العنصري واللغوي للسكان، إن الأسر الأرستقراطية البارزة، هي إما تركية، وإما تعتبر نفسها تركية حتى وإن كانت كوردية الاصل". بينما يؤكد المستشرق الجورجي "البرت مينتيشاشفيلي"، بأن جزء من العوائلات الارستقراطية المتنفذة في كركوك من أصول كوردية رغم إنها كانت تسمي نفسها تركية ومن بينها النفطجيين واليعقوبيين والقيردار وغيرهم الذين ينتمون في أكثريتهم إلى عشيرة زه نكنه الكوردية، وكثيراً ما كان الكتاب الإنجليز يطلقون لفظة الترك على الموظفين المدنيين والعسكريين وأبناء الأرستقراطية الكركوكية". من الجدير بالذكر إن هناك تفاوتاً كبيراً بين تقديرات الكتاب الذين تصدوا للحديث عن عدد سكان كركوك وتشكيلهم العنصري واللغوي قبل الحرب العالمية الأولى، ففي الوقت الذي قدر "هاي" عددهم بحوالي 30 ألفاً، أشار مارك سايكس بأن عدد سكان كركوك قبل الحرب العالمية الأولى بلغ 70 ألفاً في الوقت الذي لم يبلغ فيه عدد سكان مدينة كركوك حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحول كركوك إلى مركز لعمليات شركة نفط العراق سوى 69 ألف نسمة فقط (10). وأول إحصاء قامت به دائرة رسمية في لواء كركوك بعد الحرب العالمية الأولى هو ما أشار إليه محمد أمين زكي في مذكرته المشهورة إلى الملك فيصل الأول في 20 كانون الأول 1930 والذي سماه بالإحصاء الكيفي الذي قامت متصرفية لواء كركوك بإجرائه وكانت نسبة السكان في اللواء على أساس القومية كالآتي: الكورد51 %، التركمان 21,5 %، العرب 20 %، والأقوام الأخرى 7,5 % (11). بينما أشار أدمونز في عام 1922 إلى أن عدد سكان المدينة كان يبلغ آنذاك 25ألفاً تقريباً ربعهم من الكورد ومعظمهم من التركمان والعرب والنصارى، في الوقت الذي أعتبر فيه الكورد كأوسع مجتمع قومي في اللواء ككل (12)، أي أنه يعتبر الكورد يشكلون الأكثرية المطلقة في اللواء في الوقت الذي يشكلون ربع سكان المدينة. رغم إن الأرقام التي أوردها أدمونز بعيدة إلى حد كبير عن واقع الأمور، إلا إن حصول تحول كبير في تناسب السكان على أساس القومية يشير إلى محاولات الإنجليز لزيادة السكان من غير الكورد والسماح للموظفين المدنيين والعسكريين العثمانيين بالاستقرار في المدينة مع عوائلهم وتكليفهم بمباشرة الشؤون الإدارية والتعليمية في المدينة. وأثناء بروز مشكلة الموصل قدمت الأطراف المختلفة ذات العلاقة ( تركيا وبريطانيا والعراق) أرقاماً متباينة عن التكوين الأثني لسكان الولاية بما فيها كركوك. فقد قدر الإنجليز في تقاريرهم المقدمة إلى لجنة عصبة الأمم عدد سكان كركوك حسب انتمائهم الأثني عشية الحرب العالمية الأولى كما يلي: الكورد 45 ألف، الترك 35 ألف، العرب 10 آلاف، المسيحيون 600 واليهود 1400 أي إن مجموع سكان اللواء حسب تقديراتهم كان 92 ألف نسمة، بينما قدر الجانب التركي عدد سكان اللواء بضعف ذلك الرقم، فقد كانت الأرقام التركية على الشكل التالي: الكورد 97 ألفاً، والترك 79 ألفاً والعرب 8 آلاف أي ما مجموعه 184 ألفاً (13). هناك تفاوت كبير في تقديرات الطرفين ورغم ان الأتراك كانوا يحكمون عشية وأثناء الحرب العالمية الأولى هذه البلاد، ويفترض أن تكون لديهم الأرقام الدقيقة، إلا أنه من الصعب أن يركن المرء إلى التقديرات التركية لمحاولاتهم تقديم أرقام كبيرة عن العنصر التركي في الولاية ككل وكركوك على وجه الخصوص ورفع نسبة الأتراك على حساب العناصر الأخرى، فقد ذكروا على سبيل المثال في تقديراتهم وجود 32960 ألف تركي في السليمانية والتي لم يشكل الترك فيها باستثناء التواجد العسكري التركي البسيط خلال السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية أكثر من صفر بالمائة، كان الطرفان الإنجليزي والعراقي يرفعان من نسبة العرب في ولاية الموصل بما فيها كركوك وذلك لدعم وجهة نظرهما، بينما حاول الترك رفع نسبة الأتراك في الولاية وفي كركوك بالذات بصورة مبالغ فيها، ولم يكن في صالح أي من الطرفين المتنازعين رفع نسبة الكورد مع ذلك اضطرا إلى الاعتراف بكون الكورد يشكلون الأكثرية المطلقة من سكان الولاية، فقد كان الكورد وفق التقديرات البريطانية 454,720 شخصاً مقابل 65,895 من التركمان و 185763 من العرب و62225 من المسيحيين و16865 من اليهود، أي ما مجموعه 785464 شخصاً، وضمت الأرقام الإنجليزية الرحل الذين كانوا يتنقلون في أرجاء الولاية، بينما كانت التقديرات التركية تشير إلى تواجد 281830 من الكورد في الولاية مقابل 146920 من الأتراك و43210 من العرب و31 ألفاً من غير المسلمين، أي ما مجموعه 503 آلاف شخص، ولم تتضمن الأرقام التركية 170 ألفاً من الرحل. وشكك الإنجليز في التقديرات التركية واعتبروها قديمة وناقصة واعتبروها قائمة على أساس معطيات دوائر الجيش وأكدوا بأن العرب يشكلون ثلثي سكان مدينة الموصل، بينما شكل الترك حسب رأيهم 1\12 فقط من سكان الولاية، بينما أكد الأتراك بأنهم يحكمون البلاد منذ قرون وهم على اطلاع أكبر على أوضاع المنطقة وعدد سكانها واتهموا الإنجليز بإيراد تقديرات من شأنها خدمة مصالح العرب، فقد أكد الجانب التركي بأن الأكثرية الكوردية ـ التركية تشكل 85% من مجموع سكان الولاية، بل واعتبر أن الكثير من المتحدثين بالعربية هم "أتراك في الأصل ونسوا لغتهم أو يتحدثون اللغتين في آن واحد" كما زعم أن الكورد والترك ينحدرون من أصول واحدة(14). وفي الوقت الذي كانت الأطراف المتصارعة على ولاية الموصل تطعن في تقديرات وحجج بعضها البعض، كانت بعثة عصبة الأمم تشكك في دقة ومصداقية البيانات المقدمة من قبل جميع الأطراف إذ "وجدت أن البيانات المقدمة من قبل الأتراك وكذلك المقدمة من قبل الإنجليز بل وحتى بيانات الحكومة العراقية غير دقيقة وإن الحجج التي استندت إليها تلك الأرقام مشكوك فيها. فبينما تبالغ الحكومة التركية بعدد التركمان في الولاية، فإن الحكومة البريطانية لا ترى سوى إنهم يشكلون 8% من مجموع السكان، في حين تقل نسبتهم في البيانات العراقية عن 5 % من مجموع سكان الولاية، وكذلك كان التباين كبيراً فيما يتعلق بنسبة العرب التي تراوحت بين أقل من 9 % في ضوء البيانات التركية إلى نحو 24 % في البيانات البريطانية ونحو 21 % في تقديرات الحكومة العراقية، بينما كان التباين أقل في التقديرات الخاصة بالكورد فقد كانت نسبتهم 1/56 % من مجموع سكان الولاية وفق التقديرات التركية و1/56 % حسب البيانات العراقية و57،9% من مجموع السكان حسب التقديرات البريطانية(15). (لاحظ أدناه ): |
(سكان ولاية الموصل بحسب القومية)
وهكذا نجد بأن جميع المكونات الأثنية في كركوك باستثناء الكورد وجدت من يدافع عن مصالحها في هذا الصراع!!. بينما جرى استبعاد العديد من القصبات والتجمعات الكوردية من ضمن تلك البيانات، حتى أن الإيزديين الذين اعترفت كل الأطراف المعنية بمشكلة الموصل بكورديتهم فصلوا عن الكورد في ظل تلك البيانات والاحصائيات اللاحقة التي قامت بها الحكومة العراقية. وكانت التقديرات التي قدمها الجانب العراقي قريبة إلى البيانات البريطانية، فقد ذكر تقرير عصبة الأمم حول مسألة الحدود بين تركيا والعراق بأن الجانب العراقي قدر عدد سكان كركوك لسنتي 1922 ـ 1924 بـ 650, 111 نسمة، يتوزعون بحسب القومية على النحو الآتي: الكورد 42,5 % العرب 31,9 % التركمان 23,4 % والآخرون 2,2 % (16). لا تشير الجداول الاحصائية الخاصة باحصاء عام 1947 والمتوفرة بين أيدينا إلى التكوين الأثني لسكان كركوك، بل تشير إلى الديانة، وكانت الأرقام الخاصة بمركز قضاء كركوك كالآتي: المسلمون 58654، المسيحيون 6715، اليهود 2873، الصابئة 37، الإيزديون 1"أوردتهم الجداول بصورة منفصلة عن الكورد" والعقائد الأخرى 28، بينما بلغ عدد المسلمين في ريف مركز قضاء كركوك 23194 والمسيحيون 862 واليهود 77 والعقائد الأخرى 3 (17). بينما أشارت الجداول الإحصائية الخاصة بتعداد السكان لعام 1957 إلى تصنيف السكان من حيث اللغة الأم في مدينة كركوك، مع أن هذا التعداد السكاني يعتبر من أحسن الاحصائيات السكانية خلال الفترة التي تناولتها هذه الورقة، إلا أنه كان يعاني أيضاً من بعض النواقص الجدية، فقبل كل شيء كان اللجوء إلى مبدأ اللغة الأم لتحديد الانتماء القومي للسكان محاولة للتملص من الاعتراف بالهوية القومية للأثنيات المختلفة وفي مقدمتها الأثنية الكوردية فضلاً عن كونها محاولة لتشويه الحقائق المتعلقة بالتركيب السكاني وفتح الباب أمام عمليات التزوير على نطاق واسع، لا يعني احصاء الناس على أساس اللغة الأم دائماً تطابقاً مع الانتماء القومي لهم فهناك من عاش وسط قومية أخرى وتعلم لغتها بصورة أفضل من لغته الأم ولكن ذلك لا يعني بأنه أصبح ينتمي إلى القومية الجديدة التي تعلم لغتها، وكانت سيادة اللغة التركمانية في دوائر وأسواق كركوك آنذاك لا تتطابق مع حقيقة عدد التركمان في كركوك وشهدت عمليات التعداد حالات تزوير كثيرة في بعض الأحياء الشعبية للكورد في كركوك، وقد تبين ذلك بوضوح عند نشر نتائج التعداد المذكور عام 1959 إذ ظهر لدى مراجعة الكثير من الكورد لدائرة النفوس في كركوك بأنهم سجلوا كتركمان من قبل العدادين في الحقل الخاص باللغة الأم، خاصة في الأحياء الشعبية الكوردية التي كان معظم أبنائها يجهلون العربية فتولى العدادون ملء الاستمارات نيابة عنهم، وقد قدم بعضهم فيما بعد شكاوى بهذا الخصوص إلى الجهات المختصة، بينما أقام البعض الآخر دعاوى قضائية لتبديل ذلك بقرار قضائي (18).
وكان تصنيف السكان من حيث اللغة الأم في كركوك المدينة واللواء بموجب إحصاء عام 1957 كالآتي:
(تصنيف السكان في كركوك على أساس اللغة ألام)
وقد شكك الكثيرون في دقة هذه الأرقام ومن بينهم المؤرخ الكوردي الذي قتل مؤخراً في بغداد بعد أن تجاوز التسعين من العمر الملا جميل الروزبياني الذي كان يعتبر حجة في تاريخ المنطقة وأحوالها وأصول سكانها وقبائلها (20). ويمكن الجزم بأن العديد من القبائل والقرى والتجمعات السكنية الكوردية التابعة لكركوك لم تشملها عمليات التعداد السكاني، ولعل أحسن دليل على قولنا هذا هو أن السلطات الإدارية والعسكرية العراقية لم تكن تعرف بوجود العديد منها إلا خلال مجازر الأنفال عندما اكتشفتها ودمرتها وأنفلت سكانها (21). كما يمكنني القول بأن القسم الأكبر من 5284 شخصاً والذين أشير إليهم على أن لغتهم الأم غير مبينة هم من الكورد، يبدو أنهم لم يسجلوا عمداً ولأسباب معروفة لدى المطلعين على السياسات الحكومية في هذا اللواء. وتفسر هذه الظروف التي رافقت عمليات الاحصاء العام للسكان سنة 1957 أن يكون عدد المتحدثين بالتركمانية في المدينة أكثر من الذين اعتبروا الكوردية لغتهم الأم بـ 5259 شخصاً، ولا يتطابق هذا مع البيانات التي أوردتها المصادر العلمية الموضوعية البعيدة عن التحيز. فقد أكد العالم العراقي المعروف بنزاهته الدكتور شاكر خصباك بأن الكورد كانوا يشكلون في الخمسينات نسبة 55,2% من مجموع سكان لواء كركوك (2) . ويمكن إضافة عامل آخر وهو تسجيل الموظفين والعسكريين المقيمين في كركوك بصورة مؤقتة ضمن سكان كركوك وبخاصة أفراد الفرقة الثانية للجيش العراقي. ونلاحظ تذبذباً في البيانات المتعلقة بنسب السكان حسب القومية في كركوك وغيرها من مرحلة إلى أخرى، فقد قدرت نسبة التركمان، مثلاً في لواء كركوك عام 1920 بـ 30,3 % وفي عام 1957 بـ 21,4 % بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 26,3 % عام 1965 لتعود إلى الانخفاض إلى 16,31 عام 1977(23). ويكمن السبب وراء حالة التذبذب هذه في نسب التركمان وغيرهم من سكان كركوك وغيرها من المدن والمحافظات العراقية في سياسات التمييز الحكومية المتبعة إزاء المكونات الأثنية في العراق وسيادة الأوضاع الاستثنائية في كوردستان على مدى عقود طويلة ومحاولات الناس إخفاء انتماءاتهم القومية الحقيقة لتجنب الدخول في مشاكل مع السلطات السياسية والإدارية وبخاصة في كركوك. شهدت العقود اللاحقة للفترة التي تناولتها هذه الورقة انتهاج سياسة حكومية مكشوفة لتغيير الواقع القومي لسكان كركوك الأمر الذي لا يدخل في نطاق هذه الدراسة. ولعل أصدق من عبر عن واقع التكوين الأثني لسكان كركوك وكيفية تغييره هو (علي حسن المجيد) في اجتماع له مع مسؤولي حزب البعث والجيش والأمن بتاريخ 15 نيسان 1989 والذي سجلت وقائعه على شريط وقع بأيدي المنتفضين الكورد في آذار 1991 وكان يتباهى بما حققه خلال عامين من حكمه المطلق لكوردستان كمسالخ الأنفال وقصف 40 موقعاً في كوردستان بالاسلحة الكيمياوية وتدميره للريف الكوردستاني، وعن كركوك و(إنجازاته !!) فيها قال: "أود أن أتحدث عن نقطتين الأولى التعريب والثانية المناطق المشتركة بين الأرض العربية ومنطقة الحكم الذاتي، النقطة التي أتحدث عنها هي كركوك، عندما جئت إلى هنا لم يزد عدد العرب والتركمان عن 51 % من مجموع سكان كركوك ـ لم يوضح هل يتحدث عن المدينة أم عن محافظة كركوك ـ مع ذلك صرفت 60 مليون دينار إلى أن وصلنا إلى الحالة الراهنة، ليكون واضحاً لديكم لم يوصل كل العرب الذين جلبناهم إلى كركوك نسبتهم إلى 60 % عند ذلك أصدرت أوامري ومنعت بموجبها كورد كركوك من العمل في كركوك والمناطق التابعة خارج منطقة الحكم الذاتي. كركوك خليط من القوميات والأديان والمذاهب، كل الناس الذين رحلناهم خلال الفترة من 21 مايس وحتى 21 حزيران لم يكونوا من سكان المناطق المحرمة، ولكنهم كانوا تحت سيطرة المخربين سواء كانوا من المتعاطفين معهم أو ضدهم" (24).
المصادر والهوامش: 1ـ للمزيد من التفاصيل في هذا الباب راجع المصادر التالية: Longrigg S.H. Four Centuries of Modern Iraq Oxford,1925 محمد أمين زكي، تاريخ الدول والإمارات الكوردية في العهد الإسلامي، ترجمة محمد علي عوني، القاهرة 194، وكذلك: أي. أي فاسيليفا، كوردستان الجنوبية الشرقية خلال القرن السابع عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، لمحات من تاريخ إمارتي أردلان وبابان، موسكو 1991 باللغة الروسية. 2J تشير الموسوعة اليهودية إلى تواجد اليهود في كركوك خلال القرون الأربعة الأخيرة وقدرت عددهم بـ 200 عائلة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والذين كانوا يسكنون حياً خاصاً بهم وساعدوا مع مسيحيي المدينة الإنجليز عام 1918 لاحتلال المدينة، وقد بلغ عدد اليهود في كركوك عام 1947 حسب المعطيات الواردة في الموسوعة اليهودية 2350 وهاجروا جميعاً من كركوك خلال عامي 1950 و1951. حول عدد اليهود ودورهم في كركوك انظر: Encyclopaedia Judaica vol . 10 , P 1047- 48 . 3ـ للمزيد من التفاصيل: علاء الدين سجادي ، تاريخ الأدب الكوردي ، بغداد 1952 ، 65 ـ 66. 4- رحلة المهندس يوسيب (يوسف) جيرنيك لدراسة حوضي دجلة والفرات من الناحية الفنية مع وصف الطرق العابرة لشمال سوريا مترجمة من الألمانية، ( نشرة قسم القفقاس للجمعية الجغرافية الملكية الروسية) المجلد، 1879 ص 91. 5- قاموس الإعلام ، محرري ش. سامي بشنجي جلد، استانبول، مهران مطبعة سي 1315، ص2842. 6- سون، رحلة متنكر إلى بلاد ما بين النهرين وكوردستان، نقله إلى العربية وحققه وقدم له وعلق عليه فؤاد جميل، الجزء الأول من اسطنبول إلى السليمانية، ط1، بغداد 1970 ص158 ـ 163 7- لم يشر محمد أمين زكي إلى اسم كتاب سون الذي استقى منه هذه الأرقام، وكتاب سون المشار إليه والموجود تحت يدي لا يشير إلى أية أرقام سوى التي أشرنا إليها، يبدو إنه أطلع على هذه المعلومات في مؤلف آخر لميجرسون الذي كتب الكثير عن كوردستان من بينها "دليل أو مرشد كوردستان الجنوبية" الذي اعتبر دقيقاً ومتضمناً لمعلومات صحيحة إلى أبعد مدى، على حد تعبير مترجم الكتاب فؤاد جميل. انظر المصدر السابق، 350. 8- محمد أمين زكي، ملاحظاتي على قانون اللغات المحلية، في كتاب (محاولتان غير مجديتان ) حققه وعلق عليه صباح غالب ، لندن 1984، ص104 ـ 105. 9- سي. جي. أدمونز كورد وترك وعرب، سياسة ورحلات وبحوث عن الشمال الشرقي في العراق 1919 ـ 1925، ترجمة جرجيس فتح الله المحامي، بغداد 1971 ص241. انظر كذلك: أ . م مينتيشاشفيلي، الكورد، لمحات في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية وأساليب المعيشة، موسكو 1984 ص25 و193. 10- Hay W. R , Two Years in kurdistan , Expriens of apolitical Officer 1918 – 1920 London 1922 p.81, Longrigg S . H .Iraq 1900 to 1950 .Apolitical , social and economic History London 1953 . p.53 . 11- مذكرة محمد أمين زكي إلى الملك فيصل الأول حول الشأن الكوردي العراقي في 20 كانون الأول 1930 تقديم وترجمة الدكتور جبار قادر، الملف العراقي العدد 104 آب 2000 ص64 ـ 65. 12- أدمونز، نفس المصدر ص240 ـ 241. 13- Loder Y.de V , The Truth about Mesopotamia, Palestine and Syria , London 1923,P.2 14 –Ibid,P.215 – 218 . للمزيد من التفاصيل حول حجج الطرفين المتنازعين، انظر كذلك م.س لازريف، الإمبريالية والمسألة الكوردية 1917 ـ 1923 موسكو 1989 ص 306 ـ 309. 15- تقرير عصبة الأمم، مسألة الحدود بين تركية والعراق، مطبعة الحكومة، بغداد ص94 نقلاً عن: كركوك في تقرير عصبة الأمم، مجلة هاواري كركوك العدد 4 أربيل 1999 ص177 ـ 178. 16- نفس المصدر السابق. 17- إحصاء السكان لسنة 1947 الجزء الثاني، الجدول السادس ـ قضاء كركوك ص118. 18- الدكتور نوري الطالباني، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي ط2، بلا م 1999 ص79 19- المجموعة الإحصائية لتسجيل عام 1957، لوائي السليمانية وكركوك، تصنيف السكان من حيث الجنس ولغة الأم للواء كركوك مطبعة العاني، بغداد 1959. 20- مجلة هاواري كركوك العدد 2 أربيل، كانون الأول 1998 ص31. 21- هناك إشارات عديدة في الوثائق الحكومية المتعلقة بمسالخ الأنفال والتي وقعت بأيدي المنتفضين إلى العديد من القرى التابعة لمحافظة كركوك المؤنفلة التي لم تكن معروفة لدى السلطات الإدارية ولا وجود لها حتى على الخرائط الرسمية المدنية والعسكرية العراقية. للمزيد من المعلومات انظر: Genocide in Iraq The Anfal Campagin Against the Kurds HRW- ME, New York 1993. 22- الدكتور شاكر خصباك، الكورد والمسالة الكوردية، بغداد 1959 ص43. 23- الدكتور خليل إسماعيل، التوزيع الجغرافي للتركمان في العراق مجلة السياسة الدولية، العدد4 أربيل، كانون الثاني 1994 ص28 ـ 29. 24- Genocide in Iraq The Anfal Campagin Against the Kurds. HumanRights Watch – ME .New York, 1993. P.353 .
* من قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعنوان ـ كوردستان ـ كتبها ونشرت ضمن مجموعته أوراق الزيتون ، ونشرت في جريدة التآخي عام 1968 م . يقال بأن الشاعر أظهر ندمه على كتابة هذه القصيدة وحذفت من الديوان في طبعته الثانية . (*) للمزيد راجع البحث الموسوم- التنوع الاثني لسكان كركوك خلال قرن (1850-1958)- للدكتور جبار قادر [1][1] ـ مير بصري ، أعلام الكورد ، الطبعة الأولى ديسمبر 1991 [2][2] ـ عشائر العراق ، الجزء الثاني ص79 * كان الدينار العراقي في تلك الأيام يساوي 3،3 دولار
|